الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَالله لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا [الأحزاب: 53] [1] .
وقد عُرِفت هذه الآية بآية الحجاب، لأنها أول مانزل في شأنه. ولهذا حجب النبي ^ والمؤمنون نساءهم. وجاء في سبب نزولها روايات أخرى غير أَنَّ ما ذكرناه هو الأصح.
قال القرطبي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الروايتين السابقتين: «هذا أصح ما قيل في أمر الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات فواهية، لا يقوم شيء منها على ساق. وأضعفها ما روي عن ابن مسعود: أن عمر أمر نساء النبي ^ بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب إنك تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ، وهذا باطل، لأن الحجاب نزل يوم البناء بزينب، كما بيَّناه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. وقيل: إن رسول الله ^ كان يَطعمُ ومعه بعض أصحابه، فأصاب يد رجلٍ منهم يد عائشة، فكره النبي ^، فنزلت آية الحجاب» [2] اهـ.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية أيضًا، غير أنه نحى منحى الجمع بين الروايات، فقال: ... «وطريق الجمع بينها أنَّ أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها، للنص على قصتها في الآية» [3] اهـ.
وقال أيضًا في موضع آخر: «وقد وقع في رواية مجاهد عن عائشة لنزول آية الحجاب سبب آخر، أخرجه النسائي بلفظ: كنتُ آكل مع النبي ^ حَيسًا في قعب، فمرَّ عمر، فدعاه فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ ــ أو: أَوْهِ [4] ــ لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل
(1) أخرجه أحمد 3/ 163 و 242، والبخاري (8/ 527 فتح الباري) واللفظ له، و 8/ 528 و 9/ 230 و 11/ 22 و 64 بنحوه، ومسلم (9/ 230 بشرح النووي) والنسائي مختصرًا 6/ 79 و 80، وابن جرير 22/ 27، والبيهقي 7/ 87، وعزاه السيوطي ــ أيضًا ــ في الدر المنثور 5/ 213 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2) تفسير القرطبي 14/ 224 ــ 225.
(3) فتح الباري 1/ 249.
(4) » حَسِّ» هي بكسر السين والتشديد: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضَّهُ، وأحرقه غفلةً كالجمرة والضربة، ونحوهما. اهـ النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 358) .
» أوْهِ»: كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع؛ وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء. وربما قلبوا الواو ألفًا فقالوا: آهِ من كذا، وربما شدَّدوا الواو وكسروها، وسكنوا الهاء، فقالوا: أَوِّهْ، وربما حذفوا الهاء، فقالوا: أَوَّ. وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقول: أَوَّه. إهـ النهاية في غريب الحديث والأثر ... (1/ 82) .