المطلب الخامس
نظرة نقدية من داخل النصوص
والآن .. يمكننا أن نقدم الدليل الذي نراه قاطعًا على أن فصول «الحجاب الشرعي» و «الزواج» ... و «تعدد الزوجات» و «الطلاق» في كتاب: «تحرير المرأة» إنما هي فكر خالص وصياغة خالصة للأستاذ الإمام .. وذلك من خلال نظرة نقدية ودراسة موضوعية لنصوص هذه الفصول ــ مع مقارنة بينها وبين بعض فصول من كتاب «قاسم أمين» : «المرأة الجديدة» ، وعلى ضوء ما هو معروف للجميع من الخصائص الفكرية والثقافية، وطبيعة الاهتمامات التي يتميز بها كل من الرجلين عن صاحبه ..
* ففي «تحرير المرأة» ، وبالذات في الفصول التي تتناول وجهة نظر الشريعة والدين في هذه القضية، نلتقي بمجموعة من الآراء الفقهية والمناقشات لا يستطيع أن يبحثها ولا أن يستخلصها كاتب مثل ... «قاسم أمين» .. بل وأهم من ذلك نجد أحكامًا كلية تدل على أن صاحبها ومصدرها قد استقصى بحث هذا الأمر في جميع مصادره الرئيسية في الفكر الإسلامي، على اختلاف مذاهبه وتياراته الفكرية، وهو الأمر الذي لا نعتقد أنه قد توافر في ذلك العصر سوى لقلة قليلة في مقدمتهم جميعًا الأستاذ ... الإمام .. ونحن نستطيع أن نضع يدنا على هذه الأمثلة إذا نحن مثلًا رأيناه:
* يصدر حكمًا قاطعًا على المسائل التي ميَّز فيها الشرع الرجال على النساء، فيقول: «ولم أر إلا مسألة واحدة ميز الشارع فيها الرجال على النساء وهي تعدد الزوجات» وهو حكم لا يصدره إلا من استقصى البحث في هذا الموضوع.
* كما يقول: «واتفق أئمة المذاهب .. على أنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى المرأة التي يريد أن ... يتزوجها .. » .. وهو حكم لا يتأتى إلا من مفكر اطلع ودرس واستقصى ما كتبه أئمة المذاهب، كل المذاهب، في الإسلام.
* كما يتحدث عن «الحجاب» الذي ورد حديث القرآن عنه .. فيقسمه إلى حجاب خاص بنساء النبي، وآخر لنساء المسلمين، ويورد نصوص كل قسم، سواء ما جاء منها في القرآن أو السنة النبوية .. وهو يتناول هذه القضية بمستوى المفكرين المجتهدين وليس فقط بمستوى الدارسين أو الهواة.
* بصدد حديثه عن النصوص التي وردت في الحجاب، والخاصة بنساء النبي ^، يصدر مثل هذا الحكم القاطع فيقول: «ولا يوجد اختلاف في جميع كتب الفقه من أي مذهب كانت، ولا في كتب التفاسير في أن هذه النصوص الشريفة هي خاصة بنساء النبي» ..
فمن يستطيع أن يصدر مثل هذا الحكم القاطع، بعد هذه الإحاطة الشاملة؟؟ لا أعتقد أنه «قاسم أمين» .. ولا أظنه إلا الأستاذ الإمام ...
* وكما نطالع مثل هذا القطع في الحكم، بناء على اتساع الاطلاع وشموله، فنقرأ قوله: «إن نظر المرأة المخطوبة مباح لخاطبها ... » .
* كما يناقش قضية الطلاق مناقشة مفكر مجتهد، ويتحدث فيها عن ... «الأصول» وعن «الفروع» .. ثم يقول: «إن شرعنا الشريف قد وضع أصلًا هامًا يجب أن تُرد إليه جميع الفروع في أحكام الطلاق، وهو أن الطلاق محظور في نفسه، مباح للضرورة» .