الفصل الثاني
الحجاب في الشريعة المسيحية
الشريعة المسيحية شريعة سماوية بعث الله تعالى بها سيدنا «عيسى» عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه «الإنجيل» ، بعد أن تمرد بنو إسرائيل على نبيهم «موسى عليه الصلاة والسلام» ، وحرفوا كتاب ربهم، وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وقد جاءت هذه الشريعة لترد بني إسرائيل عن كفرهم، ولتصحح ما أدخلوه من تحريف وتبديل على دينهم، ولتبيح لهم بعض ماحرمه الله تعالى في التوراة عليهم بسبب تعنتهم وظلمهم، وتقعرهم في السؤال عما لا يلزمهم.
ولقد بيَّنَ الله تعالى المهمة التي بعث بها سيدنا «عيسى» عليه الصلاة والسلام، فقال ــ سبحانه وتعالى ــ على لسان ذلك النبي الكريم:
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكِ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُونِ * إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 4 ــ 51] .
ورغم هذه الدعوة الواضحة الناصعة، عارض اليهود نبيهم الكريم، واستكبروا علوًا في الأرض وفسادًا، فجَادَلَهُم بالتي هي أحسن، وذكَّرهم بالأصول التي دعا إليها موسى عليه الصلاة والسلام من قَبله، وحَرَّفها أولئك القوم كذبًا على الله، واستكبارًا على الحق.
إلا أنهم تآمروا عليه، وقرروا قتله، فرفعه الله تعالى إليه روحًا وجسدًا، وأنجاه من كيدهم تفضلًا منه وكرمًا.
قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 ــ 158] .
وبعد أن رفع الله تعالى سيدنا «عيسى» عليه الصلاة والسلام إلى السماء، أَلَّفَ تلامذته كتبًا، وألَّف بعضَها الآخَرَ تلاميذُ تلاميذه، أو مَن بعدهم، بحيث زادت على المئة. غير أن الكنيسة رفضت تلك الكتب كلَّها، وأقرت ــ حسب أهوائها ــ في آخر القرن الثاني الميلادي، أو أوائل القرن الرابع الأناجيل الأربعة المعروفة في هذه الأيام، رغم ما فيها من تحريف وتبديل، وانقطاع في الإسناد، وما بينها من تناقض واضطراب.
ويذكر بعض المؤرخين أنه لا توجد عبارة تشير إلى وجودها قبل القرن الثالث الميلادي [1] .
* وهذه الأناجيل هي:
ــ إنجيل متَّى: وكُتب بعد رفع السيد المسيح بأربع سنوات.
ــ إنجيل مرقس: وكُتب بعد رفع السيد المسيح بثلاث وعشرين سنة.
(1) انظر: محاضرات في النصرانية ص / 43.