فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 297

الحجاب. ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب .. » [1] اهـ.

ثم إن عمر رضي الله عنه كان شديد الأنَفَة من اطّلاع أحد على حَرَم النبي ^ حتى ولو كنَّ مستترات، فكان لا يرغب في خروجهن من بيوتهن حتى لا يرى أشخاصهن أحد، لما جُبل عليه من شديد الأَنَفة، وعظيم التوقير لبيت النبوة. لكنَّ الله تعالى ــ الذي فرض عليهن حجاب أبدانهن من مفرق الرأس إلى أخمص القدم بما في ذلك الوجه والكفين ــ لم يُجِبْ عمر إلى هذه الرغبة، بل أذِنَ لهنَّ في الخروج ... لحاجاتهن، نفيًا للحرج عنهن؛ وسبحان القائل في محكم كتابه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ ... حَرَجٍ} [الحج: 78] .

وقد ذكرت كتب السنة المطهرة حرص سيدنا عمر رضي الله عنه، على حجاب أمهات المؤمنين. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجت سودة ــ بعدما ضرب الحجاب ــ لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لاتخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب و فقال: يا سَودة! أَمَا والله ماتَخْفَينَ علينا، فانظري كيف تخرجين.

قالت: فانكفأتُ راجعة، ورسول الله ^ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرْق [2] ، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإنَّ العَرْق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أُذِنَ لكُنَّ أَنْ تخرجْنَ لحاجتكنّ» [3] .

قال الحافظ ابن حجر: «والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرَّحَ بقوله له عليه الصلاة والسلام: «احجب نساءك» ، وأكَّد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كنَّ مستترات، فبالغ في ... ذلك، فَمُنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعًا للمشقة، ورفعًا للحرج» [4] اهـ.

قال القسطلاني: «وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء، لاحجب أشخاصهن في البيوت» [5] اهـ.

(1) فتح الباري 8/ 531. وعزا السيوطي في «الدر المنثور» 5/ 213 أثر عائشة رضي الله عنها إلى: النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وقال: بسند صحيح.

(2) «عَرْق» : عظم عليه لحم.

(3) أخرجه أحمد (6/ 56) ، والبخاري (8/ 528 فتح الباري) واللفظ له، ومسلم (7/ 6 ــ 7) والبيهقي (7/ 88) ، وابن جرير (22/ 25) ، وابن سعد (8/ 175) .

(4) فتح الباري 8/ 531، ومثله في: عمدة القاري 19/ 124.

(5) إرشاد الساري 7/ 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت