فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 297

بَراز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يُرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها» [1] اهـ.

قال الحافظ ابن حجر عقب إيراده لهذا الكلام: «وليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنَّ بعد النبي ^ يحجُجْنَ ويطُفْنَ، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص ... قال ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أَقَبْلَ الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب» [2] اهـ.

وقال الحافظ في موضع آخر: «وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقًا إلا في حاجة البراز نظر، فقد كنَّ يُسافرنَ للحج وغيره، ومن ضرورة ذلك الطواف والسعي، وفيه بروز أشخاصهن، بل وفي حالة الركوب والنزول لابدَّ من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبوي وغيره» [3] اهـ.

وممن ذهب مذهب القاضي عياض من علمائنا المعاصرين سماحة مفتي عموم باكستان، العلامة الفقيه الشيخ «محمد شفيع» رحمه الله تعالى في كتابه «جواهر القرآن» ، كما نقله عنه الأستاذ الجليل فضيلة الشيخ «وهبي سليمان غاوجي الألباني» ــ حفظه الله تعالى ــ في كتابه النافع: «المرأة المسلمة» ، فقال: «للحجاب الشرعي المأمور به ثلاث درجات بعضُها فوق بعض في الاحتجاب والاستتار؛ دل عليها الكتاب والسنة.

الأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجُدُر والخدر وأمثالها، بحيث لا يرى الرجال شيئًا من أشخاصهن، ولا لباسهن، ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة، ولا شيئًا من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن.

وقد أمر الله بهذه الدرجة من الحجاب فقال: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} ... [الأحزاب: 53] ، إذ أن هذا يدل على أن سؤال أي شيء منهن يكون من خلف ستر يستر الرجال عن النساء، والنساء عن الرجال. وما ذكر من سبب نزول الآية يقرر هذا الأمر ويؤكده.

وأمر بها في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] . قال محمد بن سيرين: «نُبئتُ أنه قيل لسودة بنت زمعة زوج النبي ^: مالكِ لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتكِ؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله تعالى أن أقرَّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت. قال: فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت جنازتها» .

وهذا الحكم العام قد استثني بالخروج للحاجة. قال ^: «أُذِنَ لكُنَّ في الخروج لحاجتكنَّ» .

ويرشح لهذه الدرجة أحاديث تحبب إلى المرأة القرار في البيت، وعدم الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول الله ^، فإن قرارها في بيتها أرجى لها في الأجر عند الله تعالى.

ثم ذكر تلك الأحاديث، وشروط خروجهن إلى الصلاة، وقال بعد ذلك:

(1) فتح الباري 8/ 530، عمدة القاري 19/ 124، إرشاد الساري 8/ 118 ــ 119، شرح صحيح مسلم 14/ 151.

(2) فتح الباري 8/ 530، عمدة القاري 19/ 124، وإرشاد الساري 8/ 118 ــ 119.

(3) فتح الباري 11/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت