فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 297

الدرجة الثانية من الحجاب، وهي خروجهن من البيوت مستورات ــ أي مع تغطية الوجه ــ حسب الأثر الذي ساقه عن ابن عباس، وقال: ومثله روي عن السُدِّي، وعَبيدة السلماني.

الدرجة الثالثة، وهي: خروجهن مستورات الأبدان من الرأس إلى القدم مع كشف الوجه واليدين عند أمنِ الفتنة على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ...

ثم استعرض مذاهب العلماء في كشف الوجه، وانتهى إلى القول: ... «وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء، وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب. ويستثنى منه العجائز لقوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور: 60] ، والضرورات مستثناة من الجميع بالإجماع» [1] اهـ.

يقول كاتب هذه السطور: إن ما ذكره العلامة المفتي ــ رحمه الله تعالى ــ في الدرجة الثانية والثالثة من الحجاب، وما انتهى إليه من تقرير مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة بمنع الشواب من كشف وجوههن وأيديهن بين الأجانب هو المقرر عند أهل العلم، وهي الحقيقة العلمية التى عمدنا إلى إبرازها في هذا الكتاب.

أما الدرجة الأولى من الحجاب التي ذكرها ــ رحمه الله تعالى ــ وهي: «حجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر وأمثالها، بحيث لا يرى الرجال شيئًا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة» إلخ كلامه، ففي ذلك نظر طويل. وإليك البيان:

1 ــ إن استدلال الشيخ ــ رحمه الله تعالى ــ على ما ذهب إليه بقوله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ، لا ينهض لإثبات ذلك، لأن هذه الآية الكريمة لا تستلزم ستر أشخاصهن وهن محتجبات، بل تعني حجب جميع أبدانهن ــ بما في ذلك الوجه والكفان ــ عن أنظار الرجال الأجانب، وتحريمَ النظر إليهن ولو كنَّ محتجبات.

قال الطبري رحمه الله تعالى في تفسيرها: «وإذا سألتم أزواج رسول الله ^ ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا فاسألوهنَّ من وراء حجاب، يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب، أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل» [2] اهـ.

وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية أيضًا: «وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية. ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب» [3] اهـ.

أي: لئلا يدخل عليهن، ولا يراهن، لأن كليهما ممنوع ..

وقال الفخر الرازي: قوله تعالى {فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] أمر بسدل الستر عليهن، وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات، وكان الحجاب وجب عليهن،

(1) انظر: المرأة المسلمة ص / 193 ــ 202.

(2) تفسير ابن جرير 22/ 28.

(3) تفسير ابن كثير 3/ 505.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت