فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 297

ثم أمر الرجال بتركهن كذلك، ونهوا عن هتك أستارهن، فاستثنينَ عن الآباء والأبناء» [1] اهـ.

هذا ما يتعلق بالاستدلال الأول.

2 ــ كما أن استدلاله بأثر ابن سيرين ــ الذي تقول فيه سودة رضي الله عنها .. «وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت» ــ ليس بناهض أيضًا، لكونه غير متصل الإسناد، فلا تقوم به الحجة؛ ولو صحَّ سنده فذاك مذهب لسودة رضي الله تعالى عنها، حيث فهمت الوجوب من قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] . لكن هناك من الأدلة الأخرى ما يصرف الأمر في الآية عن الوجوب.

وأثر ابن سيرين ــ هذا ــ أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر، عن محمد ابن سيرين، قال: نُبئتُ .. إلى آخر الأثر [2] .

ولا ندري من أنبأ ابن سيرين بذلك حتى نعرف حاله من التوثيق أو التضعيف!!

صحيح أن ابن سيرين تابعي جليل، وقد: «كان فقيهًا، إمامًا، غزير العلم، ثقة، ثبتًا، علامة في التعبير، رأسًا في الورع» [3] .

«عابدًا، كبير القدر، لايرى الرواية بالمعنى» [4] ، لكن مَن ذا الذي أنبأه بهذا؟!!

لو ثبت أنه سمع ذلك من صحابي ــ مع صحة الإسناد إليه ــ لثبتت صحة ذلك الإسناد، لأن جهالة الصحابي لاتضر، إذ كلهم عدول، على ما هو مقرر عند أهل العلم [5] .

لكننا لا ندري فلعله سمعه من غير صحابي، وعندها يحتاج إلى سبر غَوره لمعرفة ما إذا كان مقبول الرواية أم مردودها ..

وبناء على ماتقدم فإن أثر ابن سيرين لا يصح، لإسقاط من سمع منه من السند ..

ولو فرضنا صحة الأثر السابق فغاية مانقول فيه: إن أمَّ المؤمنين سودة رأت وجوب ذلك اجتهادًا منها، عملًا بظاهر الأمر في الآية، فيكون مذهب صحابية خالفها فيه عديد من أزواج رسول الله ^ الأخريات، فلم يبقَ حجة على المُدَّعَى، لا سيَّما وأن أدلة مخالفيها أقوى وأظهر من اجتهادها رضي الله عنها. ويدل على ذلك ما يلي:

أ ــ روى حبيب بن أبي عمرة قال: حَدَّثتنا عائشة بنت أبي طلحة عن عائشة أم المؤمنين ــ رضي الله ... عنها ــ قالت: «قلت: يارسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكُنَّ

(1) تفسير الرازي 25/ 226.

(2) انظره في «الدر المنثور» 5/ 196، و «روح المعاني» 22/ 11 ــ 12.

(3) تذكرة الحفاظ 1/ 78.

(4) تقريب التهذيب 2/ 169.

(5) انظر: كشف الأسرار 2/ 384، والموافقات 4/ 75، وقواعد في علوم الحديث ... ص / 202 ــ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت