فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 297

لقد أدرك أعداء المسلمين أهمية القضيتين السابقتين، فعملوا جادِّين، وتآمروا مجتمعين حتى أسقطوا الخلافة، ومزقوا الجسد الإسلامي الواحد إلى أجزاء، مختلفة في الرأي، متباينة في أصول الحكم، متخاصمة في كثير من الأحيان إن لم نقل في جميع الأوقات. ثم حاربوا كل صحوة إسلامية مخافة أن يتحرر المسلمون من سيطرة عدوهم، ثم يعودوا إلى غابر عزهم، وسالف مجدهم.

كما أنهم عرفوا ما في الحجاب من وقاية للمجتمع، ومحافظة عليه من الذوبان في غيره، فوجهوا نحوه سهامهم، وألَّبوا عليه جموعهم، وأجلبوا عليه بخيلهم ورَجِلهم حتى وصلوا إلى ما يريدون، وحققوا ما ينشدون.

وباسم حرية المرأة عمل المتفرنجون المخدوعون ببريق حضارة الغرب على تشبه المسلمات بالكافرات، والمخدَّرات بالسافرات، لتكون المرأة وسيلة لتحقيق أهوائهم ورغباتهم، بعد تجريدها من مكانتها، وتحطيم قيمها وأخلاقها، ثم الوصول إلى تقويض الأسرة، وصهر المجتمع الإسلامي في عاداته وسلوكه بالمجتمعات التي لا تَمُتُّ إلى عقيدتنا وقيمنا بأي صلة، حتى لا تبقى لشريعة الله بقية، إلا ممارسات تعبدية لا يعنيهم أمرها من قريب أو بعيد طالما نجحوا في الإجهاز على هذا المجتمع، والإمساك بزمامه، وإبعاده عن شريعة ربه.

ولم تجد أفكار هؤلاء قبولًا لولا حالة التدهور التي وصلت إليها الدولة الإسلامية آنذاك، وأَدَّت إلى احتلال الغرب لكثير من بلاد المسلمين.

وعن هذا التدهور وما تلاه أنقل لك بتصرف واختصار ما حكاه الدكتور «محمد محمد حسين» في كتابه: «الإسلام والحضارة الغربية» فيقول: « ... وأمام هذا الشعور بالخطر بدأ الإحساس بضرورة تعزيز الجيوش في البلاد الإسلامية، وتطلع المسلمون إلى الأخذ بأساليب البلاد الغربية في تنظيم جيوشها وتسليحها، وعزموا على نقل العلوم الغربية لتحقيق هذا الهدف الحربي. واتخذ هذا النقل طريقين:

ــ أُرسِلت بعثات إلى البلاد الأوربية في بعض الأحيان.

ــ واستُقدِمَ أساتذة وخبراء غربيون في أحيان أخرى للتدريس في المعاهد العلمية على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وللتخطيط للنهضة الحربية المأمولة

على أن بعض حكام المسلمين كان يتجاوز بالإصلاح حدود الاحتياجات الحربية والتنظيم الصناعي والاقتصادي والإداري، ويعملون على أن تصبح بلادهم جزءًا من العالم الغربي ..

ومع حرص بعض المصلحين من ولاة أمور المسلمين على أن يجري الإصلاح في حدود الخبرات الفنية التي تتصل بالجيش والصناعة والزراعة والاقتصاد، والتنظيم الإداري، فإن الأمور قد تجاوزت الحدود التي أرادوها وقدروها. فلم يكن في تقدير «محمد علي» ــ والي مصر الذي أنشأ المدارس الحربية والبحرية، واستقدم بعض المهندسين، وأقام جيشا حديثا مدربا على النظام الأوربي ــ لم يكن في تقديره أن يتعلم مبعوثوه أكثر من الخبرات التي بعثوا لتحصيلها، ولذلك كانوا يوضعون تحت رقابة دقيقة. لكن ذلك لم يَحُل دون دخول الأفكار الأوربية الجديدة التي لم يُردِْها مع المهارات الفنية التي أرادها. فقد كان هؤلاء المبعوثون الذين أرسل أكثرهم إلى فرنسا يقرؤون الكتب الفرنسية، ويشاهدون الحياة الفرنسية في أحفل العصور بالصراع الفكري الذي يصحب الثورات، وقد احتل هؤلاء المبعوثون من بعدُ مكان الصدارة والقيادة في مختلف الميادين، وبدؤوا يترجمون منذ عام) 1830) وينشرون كتبا في غير ما تخصصوا فيه من فنون، ومع المعلمين الذين استقدمهم «محمد علي» للمدارس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت