فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 297

وقال أبو عبيد: تخرج محاسنها مما تستدعي به شهوة الرجال [1] .

ووصف الزمخشري لباس نساء الجاهلية، فقال: «كانت جيوبهن واسعة، تبدو منها نحورهن، وصدورهن، وما حواليها. وكنَّ يسدلن الخُمُرَ من ورائهن، فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها» [2] أي بعد نزول آية الحجاب.

قال الأستاذ الشهيد سيد قطب ــ رحمه الله تعالى ــ بعد أن نقل عن ابن كثير ما ذكرناه: «هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم، ليطهر المجتمع الإسلامي من أثارها، ويبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية، ويرفع آدابه وتصوراته ومشاعره، وذوقه كذلك!

ونقول: ذوقه .. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ، وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ وما يشي به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر.

وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالًا حقيقيًا رفيعًا، ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ، الذي لا يرى إلا جمال اللحم العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر!

ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية [3] ، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية، التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته، ومُثُله، ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومُثُلها ومشاعرها. وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهليةٍ عمياء، غليظة الحس، حيوانية ... التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين.

وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة، ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة، التى جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى، وأخذ بها أول من أخذ أهل بيت النبي ^، على طهارته ووضاءته ونظافته [4] .

(1) البحر المحيط 7/ 208، تفسير الآلوسي 22/ 8.

(2) الكشاف 3/ 72.

(3) ويعني به قوله تعالى: {ولا تبرجنَ تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] .

(4) في ظلال القرآن 6/ 584 ــــ 585.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت