فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 297

» [1] اهـ وقال: «إن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل، ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات، أو الحاجيات، أو التحسينيات. فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها، أو تُخلَّ أحكامها، لم يكن التشريع موضوعًا لها، إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلابُدَّ أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًا وكليًا وعامًا في جميع أنواع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال، وكذلك وجدنا الأمر فيها، والحمد لله» [2] اهـ.

وقال أيضًا: «إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص. ــ أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته.

ــ وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيَّبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام الشرع، فإذا صار المكلف في كل مسألة عنَّت له يتبع رخص المذاهب، وكل قول وافق فيها هواه، فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع، وأخَّر ما قدَّمه وأمثال ذلك كثيرة» [3] اهـ.

بقي أن تعلم أن «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرَّ أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع، ولأن المكلف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة ــ هذا محصول العبادة ــ فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة. وأيضًا فقد مرَّ [4] أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، وهو عين ما كلف به العبد، فلابُدَّ أن يكون مطلوبًا بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملًا على المحافظة؛ لأن الأعمال بالنيات. وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته، ومقدار وسعه. وأقل ذلك خلافته على نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت له به مصلحة. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» . وفي القرآن الكريم: {ءَامِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] ، وإليه يرجع قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، وقوله: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 12] ، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] .

(1) الموافقات 2/ 168.

(2) الموافقات 2/ 37.

(3) الموافقات 2/ 386 ــــ 387.

(4) أي في كلام الشاطبي في الموافقات 2/ 8 ــــ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت