فهرس الكتاب
إلى ركن شديد أي عزة ومنعة، وهذا عبارة عن المبالغة في الإعراض عن الشيء [1] .ويؤيد هذا الوجه في التفسير قوله تعالى بعد ذلك:''فأخذناه وجنوده''،أي أخذناه وركنه الذي تولّى به، وهذا الوجه في التفسير هو اختيار الطبري [2] .
والشاهد في الآية أنّ فرعون رفض الإيمان معتمدا على جنوده، فلولا هذا الركن الذي تولّى به لما تطاول فرعون كلّ هذا التطاول، ممّا يدلّ على أنّ جيش فرعون وسيلة من وسائله في ردّ الحق ورفضه، وبالتّالي وسيلة لتثبيت الباطل على حساب الحق.
ومن الأدلة التي تثبت دور الجيش في تثبيت النّظام الفرعوني قوله تعالى:''وفرعون ذو الأوتاد [3] '' [4] .وقوله تعالى:''وفرعون ذي الأوتاد'' [5] . أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وهذا ما نرجحه، لأنّه لايمكن لدولة أن تقوم بلا جيش تعتمد عليه، وكأنّ الجيش أهم وتد في قيامها ووجودها [6] .
بعد هذا يمكننا أن نستنتج أنّ هذا الجيش الجرّار لا بدّ له من مستلزمات تابعة له، حيث لا يقوم الجيش بدونها، كالسيوف والرماح والنّبال وغير ذلك من وسائل قتالية، وما يتبع ذلك من تصنيع لتلك الوسائل، وهذا وإن لم يذكره القرآن الكريم إلاّ أنّه دلّ عليه بما ذُكر. ممّا يؤكد قدرات فرعون العسكرية، ويتبع ذلك أيضا كثرة الخيل والجمال كوسائل نقل في ذلك الزمان، وبناء المعسكرات الخاصة بالجند وما تستلزمه تلك المعسكرات من تموين وخيام وغير ذلك.
وتشمل السيطرة العسكرية جهاز المخابرات أو الجواسيس والعيون التي يبثها فرعون هنا وهناك، يلتقطون أخبار النّاس ويراقبون حركتهم؛ فالجماهير المقموعة تتجه إلى السريّة في حركتها، حيث لم يبق لها أيّ مساحة فوق الأرض تتحرك فيها بأمان واطمئنان، ولهذا تنشأ الحركات السريّة، ولها تُنشيء الحكومة أجهزة الرقابة والمتابعة والملاحقة.
(1) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 239) وتفسير القرطبي (17/ 49) وتفسير أبي السعود (8/ 142) وفتح القدير (5/ 90) وروح المعاني (27/ 15) وفتح الباري (6/ 416) .
(2) (فتولى بركنه) أي (بقومه من جنده وأصحابه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظ قائليه فيه) تفسير الطبري (27/ 3) .وانظر: الدر المنثور (7/ 621) وتفسير الصنعاني (3/ 244) وتذكرة الأريب في تفسير الغريب (1/ 179) .
(3) (ذو الأوتاد: صفة فرعون لا لجميع ما قبله وإلا لقيل ذوو الأوتاد) روح المعاني (23/ 170) .
(4) [ص:12] .
(5) [الفجر:10] .
(6) ورد في تفسير الآية وجوه متعددة فقد قيل أنّها بمعنى البناء المحكم، أو كثير البنيان والبنيان يسمى أوتادا، وقيل: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها، وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت، وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت. انظر: تفسير القرطبي (15/ 154 - 155) ومعاني القرآن (6/ 85) وتفسير أبي السعود (7/ 217) وتفسير الواحدي (2/ 920) وزاد المسير (7/ 105،106) .