يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف'' [1] ،وفي الحديث''واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان'' [2] ، فإذا استعنت بالله عز وجل فإنّه تعالى لا يعينك إلاّ بما هو خير لك، فإنّه نعم المعين، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكَّلَه الله إلى من استعان به فصار مخذولا، (فالطريق المأمون عند كل رشيد قصر الإستغاثة والإستعانة على الله عز وجل، فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده، فإيّاك والإنتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى) [3] .
ولأهمية الاستعانة بالله كان ذكرها في كل صلاة، حين نقرأ مُقرِّين''وإيّاك نستعين'' [4] و (كان تقديم المفعول لقصد الاختصاص، والمعنى نخصك بطلب المعونة، وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان فيه) [5] ؛ذلك أنّ الإنسان بفطرته يشعر بالضعف ومحدودية القدرات، يقول تعالى:''وخلق الإنسان ضعيفا'' [6] ،أي (عاجزا غير قادر على ملك نفسه) [7] ،ويضغط هذا الضعف على الإنسان كلما اشتدّ البلاء، حينئذ تستدعي الحاجة طلب العون من الله.
الثانية: الصبر.
و (أصل الصبر-لغة-الحبس وكل من حبس شيئا فقد صبره) [8] ،و (الصبر حبس النفس عن الجزع) [9] ،وعند المفسرين: (حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها) [10] ،أو هو (حبس النفس على مشاق الطاعة والنوائب والمكاره) [11] .
ولقد أكثر القرآن من ذكر الصبر؛ ذلك أنّ المواجهة مع فرعون والتصدي للطاغوت يحتاجان إلى الصبر على ما تحمله هذه المواجهة من آلام جسام، فمقارعة الطواغيت تعني جهادا لا يثبت
(1) مسند أحمد (1/ 307) رقم (2804) ،سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في صفة أواني الحوض (4/ 667) رقم (2516) ،قال أبو عيسى:''هذا حديث حسن صحيح''.
(2) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والإستعانة بالله وتفويض المقادير لله (4/ 2052) رقم (2664) .
(3) روح المعاني (14/ 160) .
(4) [الفاتحة:5] .
(5) تفسير النسفي (1/ 8) مع بعض التصرف.
(6) [النساء:28] .
(7) فتح القدير (1/ 453) .
(8) لسان العرب، مادة: صبر (4/ 438) .
(9) مختار الصحاح، مادة: صبر (1/ 149) .
(10) تفسير النسفي (4/ 163) .وانظر: البيهقي: أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى، (384 - 458 هـ) ،كتاب الزهد الكبير، جزء واحد، تحقيق: عامر أحمد حيدر، ط 3،مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت،1996 م. (342) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (كتاب الزهد الكبير) .
(11) فيض القدير (1/ 485) .