فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 259

فيه إلاّ من وهب نفسه لله، وأيقن بوجوب حبس نفسه على ما تكره، وقدرته على دفعها رغم المخاوف والشدائد، فالطاغوت لا يستسلم بسهولة، وسيدافع بشراسة عن منهجه ونظامه، مستعملا كافة ما لديه من وسائل مرعبة، متجاوزا كل القيم والمثل والأخلاق، لا يردعه ضمير ولا يمنعه إيمان، فليس أمامه سوى مصالحه ومكتسباته التي يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة وجبروت. من هنا كان على من أراد المواجهة أن يتزود بزاد الصبر، فهي مواجهة ساخنة مكلفة، تحتاج منّا الشهداء والجرحى والسجناء والمعذبين ... وكلّ ذلك يتطلب صبرا وتجلدا، يقول صلى الله عليه وسلم:''واعلم أنّ النّصر مع الصّبر'' [1] .

والصبر وصية المؤمنين بعضهم لبعض، يقول تعالى:''وتواصوا بالصبر'' [2] ،وهو الطريق للإمامة في الدّين والدنيا، يقول تعالى:''وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون'' [3] ، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، والقيادة والريادة في الدنيا، وبه تكون معية الله''والله مع الصابرين'' [4] ،إنّه سبحانه معهم ينصرهم ويكلؤهم ويرعاهم حتى يظفروا بما طلبوا.

والصبر نوعان: (نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع، وهذا النوع-أيضا-نوعان: صبر على الأوامر وصبر عن النواهي، فذاك صبر على الإرادة والفعل وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأمّا النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار .. يقول تعالى:''وإن تصبروا وتتقوا'' [5] ،فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور، وقال تعالى:''فاصبر إنّ وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون'' [6] ،فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر، فإنّهم لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا، فمن قلّ يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء

(1) مسند أحمد (1/ 307) رقم (2804) ،المعجم الكبير (11/ 123) رقم (11243) ،المستدرك على الصحيحين (3/ 623) رقم (6303) ،مسند عبد بن حميد (214) رقم (636) .قال العجلوني: (وهو حسن وله شاهد رواه عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه بلفظ يا ابن عباس احتفظ الله يحفظك واحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وذكره مطولا بسند ضعيف ورواه أحمد والطبراني وغيرهما بسند أصح رجالا وأقوى) كشف الخفاء (1/ 366) رقم (993) .

(2) [العصر:3] .

(3) [السجدة:24] .

(4) [الأنفال:66] .

(5) [آل عمران:120] .

(6) [الروم:60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت