الغضب إلا الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف نقول: فمثل هذا لا شيء عليه، فإذا كان فِعْلُه وقَوْلُه غير ذنب، فلماذا نقول: إنه تاب وأناب؟.
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن مجرد السب في حد ذاته؛ كُفْر، وهو سبب قائم بذاته، وينكر على من يشترط الاستحلال، وناقشه في ذلك بوجوه"ثم ذكر الوجه الرابع، ثم قال:"والشاهد أنه اعتبر من ادعى أن سبه كان غيظًا؛ كافرًا، ولوكان يعتقد تحريم ذلك، والغيظ هو الغضب، بل أشده، فلو رأيتم حذف قولكم:"كغضب شديد ...."إلخ؛ فهو أمر مناسب، وأبْعد عن إثارة أناس يستغلون الفرص على أمثالكم وإخوانكم من أهل السنة، فيقيمون الدنيا ويقعدونها".ا. هـ."
والجواب من وجوه -إن شاء الله تعالى-:
1 -أن الغضب الشديد عذر لمن يتكلم بكلمة الكفر، لأن الغضب إذا اشتد بصاحبه، ووصل به إلى درجة الإغلاق؛ فإنه يتكلم بما لا يقصد الكلام به، والشريعة تؤاخذ الناس بمقاصدهم، أعني قصدهم الفعل، لا الكفر، فإن من قصد سب الله سبحانه وتعالى، أو سب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه يكفر، وإن قال: أنا لا أقصد حكم الكفر، لأن من قصد فعل الكفر؛ يكفر، وإن لم يقصد الكفر، وما يترتب على فعله من أحكام ومسببات؛ فليس ذلك إليه، إنما هذا إلى الشارع، قَصَدَهُ المكلَّف أو لم يقصده، والعبرة بقصده السبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصده؛ رتب الشارع عليه حكمه، جدَّ به أو هزل، قاله الإمام ابن القيم في"الزاد" (5/ 204) في سياق الكلام على الطلاق، ولو أننا لا نكفِّر إلا من قصد أن يكفر؛ لما كفرنا أكثر اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا باطل، لا يخفى بطلانه.
وقد صرح بأن الغضب الشديد عذر، بعض أهل العلم:
فقد قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في"إعلام الموقعين" (4/ 50) :
(فصل) طلاق الغضبان، المخرج الثاني: أن يطلق أو يحلف في حال غضب شديد، قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره، فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه، ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال؛ لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق، الذي منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوع الطلاق والعتق فيه ا. هـ.
فهذا نص صريح من هذا الإمام، بأن الغضب الشديد، الذي يصل بصاحبه إلى درجة