بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بيده قلوب العباد، يُصَرِّفها كيف يشاء، فمنها المستور المعافى، ومنها الممتحن بالابتلاء، يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويدفع عن أوليائه أسباب الخزي والشقاء، وينصر من نصره، وإن اجتمع عليه مَنْ في أقطارها، وأجلبوا عليه بكل كيد ودهاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قيوم الأرض والسماء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى المحجة البيضاء، تركنا على سبيل الرشد، فلا يزيغ عنه إلا من حُرِم الثبات، وكان ممن أفئدتهم هواء، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبيًا عن قومه، ورسولًا عن أمته، جزاء ما حذّر وأنذر، حتى أفاء إلى الحق من أفاء، واشرح صدورنا للاتباع الصادق، وإن تكالبت علينا الخصوم والأعداء، وادفع عنا كيد الكائدين، يا من لا يذل وليُّه، ولا يعزُّ عدوه، يا من يجير ولا يُجار عليه، ويحب الإلحاح عليه في الدعاء، أما بعد:
فإن الابتلاء سنة في هذا الدين، لا يكاد يسلم منه من أقبل على الله بصدق، كما قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ونعوذ بالله أن نكون من الكاذبين، ونسأله بمنه وكرمه وجوده أن ينزلنا منازل الصديقين.
والفتن التي يتعرض لها المسلم؛ كثيرة، وكثيرة جدًا في يومه: نهاره وليله، لكن أشد ذلك على صاحب الحق، أن تكون الفتنة من أقوام كان الظن فيهم أنهم هم الأنصار على الحق، والأعوان على عناء الطريق، لكن الله عزوجل هو الذي بيده الخير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وصدق من قال في مثل هذا الموضع:
... ظننتُ بهم ظنًا جميلًا فخيَّبوا. . . رجائي وما كل الظنونِ تصيب
وأيضًا فصدق من قال:
وإخوان حسبتهمو دروعًا. . . فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهمو سهامًا صائبات. . . فكانوها ولكن في فؤادي