ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم حال غضبه، فإنه يشعر بالندم والأسف، ومن كان ذا إيمان قوي؛ فلأن يخر من السماء أحب إليه من أن يصدر منه هذا الكلام، فليس ذكر التوبة هنا على أنها شرط في إعذاره، إنما ذلك للإشارة إلى حال الرجل الصادق، الذي يبادر بالتوبة والإنابة فيما يظنه خطأ، وإن لم يكن عليه في ذلك عقوبة شرعية.
4 -ما نقله الشيخ - أصلحه الله- عن شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- حول كفر من سب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يستحل؛ كلام صحيح، لكن ليس له صلة بموضع النزاع، فإن الساب القاصد للسب؛ يكفر، استحل، أو لم يستحل، فإننا لا نشترط الاستحلال، إلا فيما هو دون الشرك، أما الفعل أو الترك إذا كان كفرًا مجردًا؛ فإن صاحبه يكفر، استحل أو لم يستحل، بعد النظر في الشروط والموانع.
فلا حاجة إلى ما نُقل عن شيخ الإسلام، في تكفير الساب، وإن لم يستحل؛ فإن ذلك موضع وفاق، إلا أنه بعيد عن موضع النزاع، ولا دلالة فيه للشيخ على قوله فتأمل.
5 -تفسير الشيخ الغيظ بالغضب الشديد، هو أحد الأقوال في تفسير"الغيظ"،بل ساقه صاحب اللسان (7/ 450) بصيغة التمريض، ولو نظرنا في قول شيخ الإسلام -رحمه الله- الذي نقله الشيخ ربيع؛ لوجدناه بعيدًا عن الشاهد، وذلك: أن شيخ الإسلام قال من باب الإلزام لمن لا يكفِّر هذا الساب إلا بالاستحلال" فيجب ألا يُكَفَّر- أي الساب - لاسيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول غيظًا وسفهًا أو عبثًا أو لعبًا "فقوله:"غيظًا"أي إغضابًا وإغاظة لفلان، ففي"اللسان" (7/ 450) : وغِظْتُ فلانًا، أغيظُه غيظًا ا. هـ ومعنى هذا أن الرجل يقصد السب، بدون شدة غضب تعتريه، إنما أراد بذلك إغاظة غيره، فإن اعتذر بأنني أعتقد أن السب حرام، لكني أردت أن أغضب فلانًا، فهذا ليس بعذر، فأين في هذا أن الساب كان في غضب شديد، حتى إنه لا يقصد ما يخرج منه، ومع ذلك فلم يعذره شيخ الإسلام؟
فإن قيل: الغيظ الغضب، ويكون معنى الكلام: أن الساب يقول: أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول هذا وأنا في حالة غضب شديد، لا أقصد ما أتكلم به، أو في حالة السفه، أو العبث، أو اللعب، قلت: السياق يأبى تفسير الغيظ -هنا- بهذا المعنى، فإن حال صاحبه غير حال من قرن معه في السياق، ولا علاقة بينه وبين السفيه العابث اللاعب، كما هو ظاهر، والله أعلم.