كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ? (البقرة:187) فمقتضى العفو في آية الصيام ظاهر في قوله تعالى: ? فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ?، وحق الله علينا كبير لا نبلغه ولا نستطيعه، ولا حل لهذه المعضلة إلا عفوُه عَزَّ وَجَلَّ، حيث ترك أكثر حقه لدينا ولم يطالبنا إلا بما جاء به الشرع، ففي هذه المسألة فرض علينا الصيام بالحكم الأول المشدَّد الذي شق على الأصحاب وهم خير القرون، فجاء التخفيف بالحُكْم الناسخ، وذلك بمقتضى العفو أيضًا، ثم إذا نسينا أو أخطأنا سألناه عفوًا آخر مقابلًا للخطأ والنسيان، وهكذا أنواع من العفو، وأيضًا فالتخفيف هو من مقتضى الرحمة والحِكْمة، وأيضًا توبة الله عليهم بعد هذا الظرف من الشدة إنما هي فضل من الله يرفعهم بها درجات عنده لأنهم صادقون كما تبين، حيث بصدقهم صار اختيانهم لأنفسهم في هذه الشدة كان سببا قدره الله لتوبته عليهم، كما قال تعالى: ? لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم ٌ? التوبة:117).
خامسا: من الحكم الجليلة للنسخ تذكير الناس بالنعمة، وبالتالي شكرها، فعندما يقرأ المسلم آية الصيام في ليالي الصيام وهو يتنعم بالمآكل والمشارب ومباشرة زوجه مع علمه بما كان قبل النسخ، فما أجدره أن يشكر نعمة الله في عفوه هذا الذي لا ينسى، كما أنه إذا تعرض لظروف شديدة طارئة في ليالي وأيام الصيام، فما أجدره أن يذكر الاقتداء بهؤلاء الصادقين ويصبر ويستعين بالله، فإذا تبينت هذه الفوائد والحِكم، وهي قليل من كثير، علمنا أن قضية النسخ في القرآن ليست قادحة في نسبته إلى الله، بل مثبتة لأنه كلام الحكيم العليم، قال تعالى: ? وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ? (النمل:6) ، وعلمنا أيضًا أن هؤلاء المعترضين سفهاء لا يفرقون بين البداء أو العلم بعد الخفاء، وبين الأحكام التابعة للحكمة التي تختلف باختلاف الناس، فالله عَزَّ وَجَلَّ يعلم أن هذا