ثم يؤدي الفناء المربع إلى منطقة الطاقات الكبرى وهي عبارة عن 53 عقدًا تحمل بينها 54 قبو نصف أسطواني - وطريقة التسقيف هذه أخذها المسلمون أيضًا عن العمارة الساسانية - وتكتنف الطاقات الكبرى عن الجانبين مجموعة من الحجرات تبلغ عددها 108 غرفة متقابلة على جانبي ممر طويل منها مائة غرفة للجند في كل غرفة 10 جنود وثماني غرف للضباط ويلاحظ أن الحجرة الأولى من يسار الممر الطويل بها بقايا ردم مائل يستخدم كطريق صاعد يسهل عملية انتقال الجند إلى أعلى السور في حالة الهجوم على المدينة. وينتهي ممر الطاقات الكبرى بباب يفتح على مربع يكتنفه حجرتان مستطيلتان يغطي كل منهما قبو نصف أسطواني ويفتحان على الفاصل الثالث لسور المدينة.
وبنهاية هذا الفناء باب يفتح على الدائرة الوسطى أو المدينة يحيط بها سور دائري به تجويفات زخرفية معقودة تعرف بالطاقات الصغرى وفي قلب المدينة شيد المنصور قصره الذي كان يعرف باسم قصر الذهب أو قصر باب الذهب وتبلغ مساحة القصر 400 ذراع مربع وكان يعلوه قبة خضراء ارتفاعها 20 ذراعًا وفي أعلى القبة غرفة علوية عبارة عن قاعة مربعة يغطيها قبة دائرية وكل من القبتين محمول على محاريب ركنية وتفتح القبة السفلى على أربعة إيوانات ويعلو القبة العلوية تمثال الفارس ممتطيًا جواده بيده حربة يقال أنه كان يتجه نحو الجهة التي يخرج منها ثائر. ولو كان ذلك صحيحًا لما خلا وقت من خروج ثائر إذ أنه لابد أن يشير إلى جهة من الجهات. وقد سقطت هذه القبة (329 هـ - 941 م) .
وشيد بجوار الحائط الشمالي للقصر المسجد الجامع، وأقيم حوله أي القصر قصور الأمراء والدواوين. أما المناطق السكنية فكانت تقع في الأربع مساحات المحصورة بين المداخل الأربعة الرئيسية، وكان في كل قسم شوارع رئيسية يتراوح عددها بين ثمانية وأثني عشر شارعًا. تتجه نحو قلب المدينة وينتهي كل شارع بباب على محوره.
وقد حفر حول المدينة خندق يحيط بأسوارها بعمق 6 أمتار وارتفاع مثل ذلك كان يملأ بالماء عن طريق قناة تخرج من نهر كرخايا، وكان أمام كل باب من أبواب المدينة الأربعة قنطرة تمكن من عبور هذا الخندق وقت السلم وكانت ترفع في أوقات الحرب ومع رفعها تصبح المدينة معزولة لا يصل إليها أحد [1] .
(1) كمال سامح المرجع السابق صـ 51: صـ 62، نويصر السابق صـ 133: 137، حسن الباشا المدخل صـ 54: 57، محمد عبد الستار عثمان المدينة الإسلامية صـ 140: 142.