فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 120

لم تقتصر المباني على المدينة المدورة فقط بل أقيمت حولها الأحياء والقصور وأمتد العمران عدة أميال على جانبي نهر دجلة، كما أقيمت المطاعم وأماكن الترويج على الضفتين وكان يصل بين الضفتين جسور ثلاثة أقيمت عبر النهر على عوامات مشدودة بعضها إلى بعض ومن الملاحظ أن أسوار بغداد زالت منذ حرب الأمين والمأمون وصارت بغداد كلها مدينة واحدة متصلة المباني. وقد صحب اتساع مساحتها زيادة ثروتها وتحضرها وازدهارها.

ونتيجة لموقع بغداد القريب من حضارة الفرس واعتماد العباسيين على العنصر الفارسي في دولتهم انتشرت في بغداد التقاليد الفارسية من أعياد واحتفالات وأطعمة وزي ولهو وأصبحت بغداد مركزًا لتصدير هذه التقاليد إلى باقي المدن الإسلامية ومع ذلك بقيت بغداد متمسكة بلغتها العربية وعقيدتها الإسلامية وقد أشاد كثير من المؤرخين بموقع بغداد كالمقدسي الذي أشاد بحسن جوها صيفًا وشتاءً، ونولدكه الذي ذكر أن مدينة بغداد أصبحت مدينة عالمية ولم ينافسها سوى مدينة القسطنطينية حيث كانت التالية لها في العواصم الكبرى [1] .

كما رجحت حضارتها بشكل واضح حضارة دولة شارل مان أقوى دولة أوروبية في ذلك الحين، فقد أذهلت هدايا الرشيد حاشية شارل مان خاصة تلك الساعة الدقيقة الصنع التي ظنوها من أعمال السحرة [2] .

وكان بلاط الخليفة العباسي بلاطًا فخمًا من حيث العمارة والحاشية والحرس والحريم وكانت قصوره تشتمل على قاعات العرش واستقبال السفراء ودواوين الحكم والإدارة ومجالس العلم والسمر واللهو والمنادمة ودور الحريم وقد أسست تلك القاعات بأفخم الأثاث والرياش: ففرشت أرضها بأثمن أنواع السجاجيد والوسائد وجهزت بالستائر وأضيئت بالثريات والشمعدانات وزخرفت جدرانها بالصور الجميلة أضف لذلك مساكن الحرس والجند ومنازل الموظفين والإسطبلات والمخازن فضلًا عن الحدائق والميادين والملاعب وغيرها. وكان اتساع هذه المباني يكون ثلث المدينة المدورة، كما صارت بغداد مركزًا تجاريًا تأتي إليها السفن المحملة بالمتاجر والقوافل من الأقطار المختلفة وكان لكثير من السلع أسواقًا خاصة [3] وكان طبقة التجار في بغداد تنافس كبار رجال الدولة في الثراء والأخذ بأسباب الرفاهية.

(1) كمال سامح السابق صـ 52.

(2) الباشا المدخل صـ 59.

(3) حسن الباشا المدخل صـ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت