وعندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم في تأديب بني لحيان الذين غدروا بدعاة المسلمين - وكانوا ستة من كبار الصحابة - أظهر أنه يريد الشام باتجاه الشام، عاد راجعا باتجاه مكة مسرعا في حركته حتى بلغ منازل بني لحيان، ولكن بني لحيان فروا إلى رؤوس الجبال واستطاعوا النجاة بأرواحهم وأموالهم.
وقصة نعيم بن مسعود الغطفاني الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم لا خير دليل على ذلك، فقال له التبي: إنما أنت رجل واحد تخذل عنا ما اشتطت فإن الحزب خذعة (1) .
فقام نعيم بمهمته خير قيام ونجح في التفريق بين القرى الثلاثة التي تجمعت لقتال المسلمين «فريش والقبائل العربية ومنها غطفان ويهود بني قريظة (2) ، وكان مما ساعد
على نجاح مهمته مراعاة مبدأ السرية والأمن، حيث كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إسلام نعيم، وكثم نعيم إسلامه فلم يعرف قومه ولا بنو قريظة ولا قريش عن إسلامه شيقا.
فلو لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ السرية والأمن وإخفاء المعلومات والخطط، ولو لم يطبق نعيم أيضا، فهل كان بإمكان نعيم أن يقوم بهذا الدور الحاسم في تفرقة صفوف الأحزاب ونزع الثقة من نفوسهم؟
لقد بث الرسول صلى الله عليه وسلم في عيونه ودورياته لنجوم الدروب حول المدينة المنورة التحول دون تسرب المعلومات إلى قريش، كما بث عيونه في الداخل ليقضي على كل خبر يمكن أن يصل أو يتسرب إلى قريش عن طريق عيونها داخل صفوف المسلمين، وذلك في فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وذلك ليتمكن من السيطرة على الموقف، وليستفيد من عنصر المبادرة أيضا (3) .
لاشك في أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف أهمية علم العدو بالمعلومات عن حركة المسلمين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(0) ابن سعد، الطبقات الكبرى 2/ 20 - 021
(2) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري 6/ 182.
(3) علي بن برهان الدين الحلي، السيرة الحلبية ط. القاهرة 1994 م،9/ 3.