فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 106

+ القول الثاني:

ذهب أصحاب هذا القول إلى أنه لا يجب الأكل على المضطر، وإنما يباح له، فإن شاء أكل وإن شاء امتنع، وهذا هو القول الثاني عند الحنابلة [1] . وهو قول مرجوح عند الشافعية [2] .

وقد استدل أصحاب هذا القول بما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي [3] ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته فأخرجوه فقال:"قد كان الله أحله لي لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام" [4] .

كما قال أصحاب هذا القول:"بأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب على المضطر كسائر الرخص، أو لأن للمضطر غرضا في اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، فيفارق الميتة الحلال من هذه الوجوه" [5] .

ويمكن مناقشة ما استدل به أصحاب هذا القول بما يلي:

1 -أن الاستدلال بما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي، فهو اجتهاد منه في ظرف خاص، أراد من خلاله إظهار عزة الدين، وقوة العقيدة عند المسلمين، وما هم عليه من الصبر والإستعداد لتحمل المشاق والتضحية بأنفسهم في سبيل إعزاز دينهم، ولا يمكن لهذا الدليل أن يكون عاما في كل مضطر، لأن النصوص القرآنية الواردة في إباحة المحرمات للمضطر أقوى، كما استدل الجمهور على ذلك.

2 -أما القول بأن أكل الميتة رخصة للمضطر، فغير مسلم به عند جمهور الفقهاء، بل هو عزيمة واجبة، وهذا ما أكده الفقيه الكيا الهراسي [6] ، بقوله:"لو امتنع المضطر من أكلها (الميتة"

(1) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 596.

(2) -"منهاج الطالبين"للنووي: ص: 143.

(3) - هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو، يكنى أبو حذافة، صحابي جليل، أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة مع أخيه قيس بن حذافة، أنظر ترجمته في:"أسد الغابة في معرفة الصحابة"لابن الأثير" (ت 630 هـ) : 3/ 211، تحقيق: على محمد العوض وعادل احمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى سنة: 1415 هـ - 1994 م."

(4) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 596.

(5) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 596.

(6) - هو علي بن محمد بن علي أبو الحسن الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي ولد سنة: 450 هـ فقيه شافعي ومفسر، سكن ببغداد، ودرس بالنظامية، توفى سنة: 504 ه.

أنظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء"للذهبي: 19/ 350. و"البداية والنهاية"لابن كثير: 16/ 210. و"الأعلام"للزركلي: 4/ 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت