القول الثاني:
يرى أصحاب هذا القول أن المضطر يأكل من الميتة وسائر المحرمات حتى يشبع، ويتزود منها، إلى أن يستغني عنها، فإذا استغنى عنها وجب طرحها.
وبهذا القول قال الإمام مالك [1] . وهو الأصح عند المالكية [2] . مقابل الأظهر عند الشافعية [3] . وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد واختاره أبو بكر من الحنابلة [4] ، وبه قال ابن حزم [5] .
وقد استدل أصحاب هذا القول على رأيهم بما يلي:
1 -بالحديث الذي أخرجه أبو داوود عن جابر بن سمرة:"أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل:"إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها"، فوجدها، فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت إمراته:"أنحرها"، فأبى، فنفقت فقالت:"اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله"، فقال:"حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله، فقال عليه السلام:"هل عندك غنى يغنيك"؟ قال:"لا"، قال:"فكلوها" [6] .
ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للرجل وأهله الأكل من الميتة، ولم يمنعهم من الإدخار لأنهم لم يكونوا ليأكلوها في مرة وكذلك لم يشترط عليهم ألا يشبعوا منها.
(1) -"أحكام القرآن"لابن العربي: 1/ 72.
(2) -"جاء في الشرح الصغير للدردير: 2/ 81:"وجاز للمضطر الشبع من الميتة ونحوها على الأصح كالتزود أي ما يجوز له التزود منها إلى أن يستغني عنها، فان استغنى عنها طرحها"."
(3) - جاء في:"منهاج الطالبين"للنووي ص: 143:"والأظهر سد الرمق إلا أن يخاف تلفا"، وانظر:"نهاية المحتاج"للرملي: 8/ 160.
(4) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 595.
(5) - قال في"المحلي": 7/ 426:"فمن اضطر على شيء مما ذكرنا (الميتة والدم ولحم الخنزير) ، و لم يجد مال مسلم، ولا ذمي، فله أن يأكل حتى يشبع، ويتزود حتى يجد حلالا، فاذا وجده عاد الحلال حراما."
(6) - أخرجه أبو داود في سننه: كتاب رقم 26: الأطعمة: باب رقم: 37: المضطر إلى الميتة، رقمه: 3816: 3/ 358. واخرجه البيهقي في:"السنن الكبرى": كتاب رقم: 61: الضحايا: جماع ابواب ما لا يحل اكله وما يحل للمضطر من الميتة: باب رقم: 07: ما يحل من الميتة للضرورة، رقمه: 19635: 9/ 597.