-القول الثاني:
ذهب أصحابه إلى القول بتداخل الديات، فيدخل الأقل في الأكثر، فإن كان ما وجب بالجرح أو القطع أقل من دية العقل فلا يجب على الجاني أكثر من دية العقل، وإن كان أكثر من دية العقل دخلت دية العقل في دية الجرح أو القطع. كما لو قطع أذنيه، وجدع أنفه فزال عقل المجني عليه، فيؤخذ بدية الأذنين والأنف، وتدخل دية العقل فيهما، ليكون الأقل داخلا في الأكثر.
وهذا قول أكثر الحنفية [1] ، والمالكية في غير المشهور [2] وقول الشافعي في القديم [3] .
وحجتهم في ذلك: أن الجاني لم يوجد منه إلا جناية واحدة، والواجب في العقل دية النفس من حيث المعنى، لأن جميع منافع النفس تتعلق بالعقل، فإذا ذهب العقل اختلت منافع النفس، فكان تفويته مسقط للتكاليف مشبها للموت، فتتداخل الديات، كما تداخل في دية النفس [4] .
و قد رد ابن قدامة على أصحاب هذا الرأي بقوله:"إن منافع الأعضاء تبطل بذهاب العقل، فإن المجنون تضمن منافعه وأعضاؤه بعد ذهاب عقله، بما تضمن به منافع الصحيح وأعضاؤه، ولو ذهبت منافعه وأعضاؤه لم تضمن كما لا تضمن منافع الميت وأعضاؤه، وإذا جاز أن تضمن بالجناية عليها بعد الجناية عليه، جاز ضمانها مع الجناية عليه، كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره بجراحة في غير محلها" [5] .
كما قالوا:"إنه لو ضربه فأوضحه، وذهب عقله لكان العقل زائلا عن محله وهو محل الجناية التي هي الموضحة [6] ، لأن العقل في الرأس، فلا تتعدد الدية كما لا تتعدد الدية فيما لو قطع أذنيه، وذهب سمعه، لأن المنفعة التي تذهب مع محلها ليس فيها إلا دية واحدة" [7] .
(1) -"بدائع الصنائع"للكاساني: 7/ 317.
(2) -"حاشية الدسوقي"للدسوقي: 4/ 272.
(3) -"مغني المحتاج"للشربيني: 4/ 68. و"الحاوي الكبير"للماوردي: 12/ 248.
(4) -"بدائع الصنائع"للكاساني: 7/ 317. و"الحاوي الكبير"للماوردي: 12/ 248.
(5) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 364.
(6) - الموضحة من الشجاج:"التي بلغت العظم فأوضحت عنه"، وقيل:"هي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم أو تشقها حتى يبدو وضح العظم، انظر:"لسان العرب"لابن منظور: 2/ 635."
(7) -"الشرح الكبير"للدردير: 4/ 297.