فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 106

وكما أن العقل من أعظم ما يختص به الآدمي، وبه ينتفع بنفسه في الدنيا والآخرة، وبه يمتاز من البهائم، فالمفوت له كالمبدل لنفسه الملحق له بالبهائم [1] .

وبعد استعراض أقوال العلماء واستقراء أدلتهم يظهر أن قول الجمهور بوجوب الدية كاملة عند إتلاف العقل أرجح من رأي ابن حزم وأدلته.

-ثانيا: دية إذهاب العقل بجناية تنوع أثرها.

فإذا جنى شخص على آخر، فزال عقل المجني عليه، وامتد أثر هذه الجناية إلى عضو آخر من أعضاء جسمه، كأن يجرحه، أو يقطع عضوا من جسمه، أو يتلف منفعته، فقد اختلف الفقهاء في تداخل الديات على قولين:

-القول الأول:

ذهب أصحابه إلى القول بوجوب دية العقل للعقل، ويجب غرم الجرح أو العضو، فدية العقل لا تسقط بما عداها، ولا يسقط بها ما عداها، بغض النظر عن قيمة الغرم على الجناية سواء كانت أقل أو أكثر من دية العقل، وهذا قول: المالكية في المشهور [2] ، والشافعي في مذهبه الجديد [3] ، والحنابلة [4] ، وزفر من الحنفية [5] .

وقد استدلوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في رجل رمى آخر بحجر على رأسه، فذهب سمعه، وبصره، وعقله، وذكره فلم يقرب النساء، فقضى فيه عمر بأربع ديات [6] .

فهذا القضاء بتعدد الديات لتنوع أثر الجناية، دليل واضح على عدم تداخل الديات بما فيها دية العقل، والتي كانت واحدة من الديات الواجبة بسبب هذه الجناية، وكأنها جنايات متعددة.

وكذلك قالوا: إن ما اختلف محله لا يتدخل فيما دون النفس، كما لو قطع أنفه، وقطعت يده، وجبت دية الأنف ودية اليد [7] .

(1) -"المبسوط"للسرخسي: 26/ 69.

(2) -"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"لمحمد عرفة الدسوقي: 4/ 272، تحقيق محمد عليش، دار الفكر، بيروت. و"الشرح الكبير"للدردير: 4/ 279.

(3) -"الحاوي الكبير"للماوردي: 12/ 248.

(4) -"المغني"لابن قدامة: 8/ 364. و"كشاف القناع"للبهوتي: 6/ 50.

(5) -"بدائع الصنائع"للكاساني: 7/ 317.

(6) - الحديث سبق تخريجه.

(7) -"بدائع الصنائع"للكاساني: 7/ 317. و"الحاوي الكبير"للماوردي: 12/ 249. و"المغني"لابن قدامة: 8/ 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت