فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 173

الخالق والعباد، وأن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح، وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح وليس بخلق له. قلنا: فكذلك أفعال أحدنا قد تقع، ولا نقول إنها تقع في كل حال على حسب قصده، ولا يبدل ذلك على أنه خلقها فاخترعها. يؤكد ذلك أن البياض يحصل في الناطف عند قصد الناطفي له، ولا يقول أحد إن واحدًا منا يقدر أن يخلق لونًا لغيره ولا لنفسه، فلا يمتنع أن يكون الفعل قد يحصل على حسب قصد أحدنا، وليس هو خلقًا له ولا موجودًا له، من العدم إلى الوجود. فاعلم ذلك.

يؤكد هذا أيضًا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه وغير ذلك، ولا يقول أحد إن نمو الزرع خلقه الزارع، ولا أنه خلق في الحبة أضعاف عددها وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين. وغير ذلك.

وكذلك سمن الدابة يحصل على قصد العالف لها والساقي، ولا يقول أحد إن العالف والساقي هو الذي خلق الشحم والسمن في الدابة. وكذلك دود القز يحصل منه القز على حسب قصد القائم عليه والمربي له، ولا يقال إن القز خلقه في الدود إلا الله تعالى، وإن كان حاصلًا على حسب إرادة القائم عليه وقصده، وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده، لا يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو الله تعالى.

فإن قيل: فإذا لم يكن أحدنا خالقًا لفعله، فكيف يكون ملومًا عليه ومعذبًا به ويستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب؟ فالجواب: إننا لا نقول أن المدح والثواب، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا؛ حتى يوجب ذلك كونه خلقًا له واختراعًا، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى، ويجب ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب عليه خلق فعل أوجبه عليه. ألا ترى بالإجماع منا ومنكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت