فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 173

ومن جميع المسلمين: أن الدية تجب على العاقلة. بقتل غيرها خطأ. وإن لم تفعل العاقلة شيئًا يستحق به إيجاب ذلك عليها، وإن ذلك الذي فعلته خلق لها، بل هو خلق لغيرها، وهو الله تعالى عند المسلمين، وخلق للقاتل على زعمكم، أفصح أن الوجوب حصل بإيجاب الله وحكمه، لا بخلق العافلة وفعلها، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إنما تجب وتستحق بإيجاب الله تعالى وإرادته، لا بكونها خلقًا للفاعل، فاعلم ذلك وتحققه.

وكذلك أيضًا الأكل في الصيام ناسيًا، فعل العبد، كما هو فعل له عند تعمده، لكن الله تعالى حكم بأن أحدهما مبطل ومفطر، ويذم ويعاقب عليه، والآخر بالضد من ذلك، وإن كان الجميع فعلًا للعبد، فصح أن ذلك إنما يكون بحكم الله تعالى، لا بكونه خلقًا للفاعل، فصح ما قلناه، وبطل ما توهموه.

فإن قيل: من فعل الطاعة كان طائعًا، ومن فعل المعصية كان عاصيًا، فالجواب: أن هذا غير صحيح، لأن كون الباري تعالى خالقًا وفاعلًا لا يوجب أن يتصف بالطاعة والمعصية، لأن الطاعة صفة الطائع، والمعصية صفة العاصي، ولا يوجب ذلك وصف خالق الطاعة والمعصية بكونه طائعًا عاصيًا، ألا ترى أن الأسود صفة لمن قام به السواد، ولا يكون صفة لله تعالى، وإن كان تعالى هو خالق السواد، فكذلك التحرك صفة لمن له الحركة، لا صفة من خلق الحركة والولد لمن له الولد؛ لا لمن خلق الولد، والحلاوة صفة العسل، لا لمن خلق الحلاوة فيه. وكذلك الحموضة في الخل صفة للخل، لا لمن خلق الحموضة فيه، وكذلك الموت إذا خلقه الله في أحدنا صار ميتًا، واتصف بذلك، ولا يوجب أن يتصف الخالق للموت بأنه ميت، لما خلق الموت وفعله بالحي. فكذلك المعصية صفة من حلت به المعصية، والطاعة صفة لمن حلت به الطاعة، ولا يوجب ذلك وصف خالقها بأنه طائع ولا عاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت