فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 173

فإن قيل: لا يجوز أن يكون الله خالق الظلم والجور والكذب، لأن من فعل الظلم كان ظالمًا، ومن فعل الجور كان جائرًا. ومن فعل الكذب كان كاذبًا والله تعالى يتنزه عن جميع ذلك، فصح أن هذه الأشياء ليست بفعل له، ولا خلق له.

فالجواب: أن هذا السؤال هو الأول بعينه، والجواب عنه قد تقدم، لكن نزيد ها هنا جوابًا آخر: وذلك أنا نقول: ليس الأمر على ما يقع لكم، بل نقول إلى الله تعالى خلق الظلم ظلمًا للظالم به: وخلق الجور جورًا للجائر به، وخلق الكذب كذبًا للكاذب به، كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم بها: وخلق الضوء ضوء للمستضيء به، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها، وخلق السواد سوادًا للأسود به، وخلق السم سمًا المسموم به. فكما أن الله تعالى خلق الظلمة الليل والضياء للنهار، والحمرة للأحمر، والسواد للأسود. والسم للحية، ولا يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء ولا سوادًا ولا حمرة ولا سمًا له فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع بها، والكذب كذبًا للكاذب به، والجور جورًا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه جائرًا ولا ظالمًا ولا كاذبًا، فصح ما قلناه وبطل ما قالوه.

جواب آخر: وذلك أن الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما يكون كذبًا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوق آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا، فاعلم ذلك وتحققه، فإنه أصل قوي تدفع به جميع ظنونهم الفاسدة.

فإن قيل: لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق الله، بل يعرض عن ذلك، ولا يقال. فصح أنه خلق لغيره.

فالجواب: أن هذا السؤال غير صحيح، لأنك إن أردت الإطلاق في العموم، فجائز أن تقول: يا خالق المخلوقات، ويا خالق الموجودات، ويا خالق كل شيء، ويا خالق الضر والنفع. وإن أردت ذلك على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت