فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 173

كذب بقلبه وأقر بالوحدانية بلسانه وعمل الطاعات بجوارحه فهذا ليس بمؤمن حقيقة، وإنما هو مؤمن مجازًا، لأن ذلك يمنع دمه وماله في أحكام الدنيا، لأنه مؤمن من حيث الظاهر، وهو عند الله غير مؤمن.

والدليل على صحة ذلك: قوله:"إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اللّه واللّه يعلم إنك لرسوله واللّه يشهد إن المنافقين لكاذبون"فأخبر سبحانه بكذبهم، ونحن نعلم وكل عاقل أنه ما كذب إقرار ألسنتهم، وإنما كذب قلوبهم، حيث أبطنوا خلاف ما أظهروا، لأن الأخرس المصدق بقلبه إيمانه صحيح، وإن كان لا يقدر على النطق والإقرار بلسانه، وكذلك بالعكس من هذا، فإن المؤمن المصدق بقلبه مؤمن عند الله تعالى، وإن نطق بالكفر. يدلك على صحة ذلك: قوله تعالى:"من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا"فأخبر أن نطق اللسان بالإيمان لا ينفع مع إصرار القلب على الكفر، وإقرار اللسان بالكفر لا يضر مع تصديق القلب.

واعلم: أنا لا نفكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، على ما جاء في الأثر لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة، لأن من أقر بلسانه، وصدق بقلبه، وعمل أركانه حكمنا له بالإيمان وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط، وحكمنا له أيضًا بالثواب في الآخرة وحسن المنقلب، من حيث شاهد الحال، وقطعنا له بذلك في الآخرة، بشرط أن يكون في معلوم الله تعالى أنه يحييه على ذلك، ويميته عليه. ولو أقر بلسانه، وعمل بأركانه، ولم يصدق بقلبه، نفعه ذلك في أحكام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت