بل المصلحة الملائمة التي شهد الشارع لاعتبارها أحدلة لا حصر لها والتي يؤدي اطراد القياس إلى فوتها، وقد رأى علي بن أبي طالب ومعاوية -رضي الله عنهما- وإبراهيم النخعي ومالك وغيهم قبول شهادة الصبيان في الجراح التي تحدث بينهم [1] 174 (
-يقول القاضي المالكي أبو الوليد الباجي-رحمه الله-"والدليل على ما ذهب إليه علي ومن تَبعه ما احتج به شيوخنا من أن الدماء يجب الاحتياط لها والصبيان في غالب أحوالهم ينفردون في ملاعبهم حتى لا يكاد أن يخالطهم غيهم، ويجري بينهم من اللعب والترامي ما ربما كان سب ب ا للقتل والجراح فلو لم يقبل بينهم إلا الكبار، وأهل العدل، لأدى ذلك إلى هدر دمائهم وجراحهم فقبلت شهادتهم بينهم على الوجه الذي يقع على الصحة في غالب الحال ... وجه قول مالك أن شهادتهم إنما أجيزت للاحتياط للدماء، ولذلك لم تجز في الحقو، والاحتياط للنفوس أعظم من الاحتياط للجراح فإذا لم تتكرر لكثرة لعبهم وتراميهم بالحجارة وغيها فإنما جوز للضرورة فيما يكثر بينهم ماا انفردوا به دون ما يقل، ويندر، ولذلك لم يجز في الحقو والغصب فإنه يقل بينهم، ويندر حال انفرادهم" [2] 175(.
ومن قول مالك نعرف أن ما خصص قياس الرجال المذكورين في الآيتين وجعله لا يشمل الصبيان هو ضرورة حفظ النفوس وهي مصلحة دل عليها أدلة لا حصر لها من الكتاب والسنة، فالمخصص في الحقيقة هو هذه النصوص، ولابد من الإشارة هنا أن تخصيص العموم بيان له، فمعنى التخصيصُ هنا هو تبيين أن الله لم يرد بكلامه)ما فهمه البعض (أن الحكم يشمل الجراح بين الصبيان، وف سّرت مراد الآيات المصلحة الملائمة.
(1) 174 ("المحلى بالآثار"لابن حزم ج 8 ص 513، 514
(2) 175 ("المنتقى شرح الموطأ"لأبي الوليد الباجي ج 5 ص 229