كيوم صفين والاجتهاد يخطئ ويصيب , ولكنّ صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور - أيضًا - وأما المصيب فله أجران اثنان ... ) [1] وخلاصة القول
(أنّ مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسط بين المُفْرِطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى مالا يليق إلا بالله تعالى وبين المفرِّطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبّونهم فهم وسط بين طرفي الإفراط والتفريط؛ يحبّونهم جميعًا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون , ولا يقصرون بهم عمّا يليق بهم , فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبّهم , وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة , وإما مخطئون , ولهم أجر الاجتهاد , وخطؤهم مغفور , وليسوا معصومين , بل هم بشر يصيبون ويخطئون , ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطإ غيرهم , ولهم من الله المغفرة والرضوان , وكتب أهل السنّة مملوءة من بيان هذه العقيدة الصافية النقيّة في حق أولئك الأخيار الذين ما كانوا ولا يكونون - رضي الله عنهم - وأرضاهم -) [2] .
لقد بدأ علماء المسلمين - رحمهم الله تعالى - تصنيف الكتب في معرفة الصحابة منذ فترة مبكّرة , وعُنُوا به عناية خاصّة في سبيل جمع كلّ المعلومات عن هذا الجيل العظيم , فلم يخل عصر من العصور من مؤلّفات كثيرة يتعسر حصرها , وقد سلكوا في ذلك مسالك عدة؛ فمنهم من اقتصر في تصنيفه على الصحابة فحسب , فذكر أسماءهم وأنسابهم، وسيرهم، وأحوالهم، ومشاهدهم، ومروياتهم، ووفياتهم ونحو ذلك كأبي عبد الله البخاريّ وأبي نعيم الأصبهانيّ , ومنهم من اعتنى بذكر فضائلهم كالإمام أحمد بن حنبل وأبي
(1) اختصار علوم الحديث ص:176 - 177.
(2) عشرون حديثًا من صحيح مسلم دراسة أسانيدها وشرح متونها ص:162 - 163.