فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 114

فأخبر به أبا طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني.

فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين بجماعتهم أنكروا ذلك، وظنوا أنهم قد خرجوا من شدة البلاء، فأتوا ليعطوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتكلم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، فأتوا بها، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا لكم فيه نصف، إن ابن أخي قد أخبرني ــ ولم يكذبني ــ أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فوالله لا نسلمه أبدًا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلًا، دفعناه إليكم فقتلتم، أو استحييتم، قالوا: قد رضينا بالذي تقول.

ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال، قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لكفرهم، فقال بنو عبد المطلب: إن الأولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون وإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب الى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم، وهي في أيديكم، طمس الله ما كان فيها من اسم له، وما كان من بغي تركه، أفنحن السحرة أم أنتم؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي: نحن برآء مما في هذه الصحيفة، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ورهطه، فعاشوا، وخالطوا الناس [1] .

وعلى الرغم من قسوة الحصار وشدة وطأته على المسلمين، فقد عاد بالخير عليهم وعلى الإسلام، إذ عابت القبائل العربية على قريش سلوكها الشائن مع بني هاشم، فلم يحدث أن سلكت قبيلة عربية مع أحد بطونها هذا السلوك الغريب، كما كان

(1) السيرة النبوية للذهبي 141؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي 2/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت