وتضاعف الأسى والحزن عليه - صلى الله عليه وسلم -، فقد مات عمه أبو طالب الذي كان يدفع عنه طغيان قريش وظلمها، وينصره عليهم، ثم ماتت زوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ التي كانت وزيرة صدق في الإسلام، كان يسكن إليها فتخفف عنه المحن، وتشد من أزره، وتصبره على تحمل الفتن.
وبفقد هذين الناصرين اللذين كانا دعامتين من دعائم سير الدعوة في أزماتها، تجرأ صناديد قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونالوا منه ما لم يكونوا يطمعون به في حياة أبي طالب، وابتدأت مرحلة عصيبة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واجه فيها كثيرًا من المصاعب والمحن، حينما أصبح في الساحة وحيدًا لا ناصر له إلا الله سبحانه، ومع هذا فقد مضى في تبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة على ما يلقى من الخلاف والأذى الشديد، وتحمل - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ما تنوء الجبال بحمله.
يقول عبد الله بن جعفر: لما مات أبو طالب اعترض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تبكي، فإن الله مانع أباك. ويقول بين ذلك: ما نالت قريش مني شيئًا أكرهه، حتى مات أبو طالب [1] .
ولما بلغ ذلك أبا لهب قام بنصرته أيامًا، وقال: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعًا إذ كان أبو طالب حيًا فاصنعه، لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت.
واتفق أن ابن الغيطلة سب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولى وهو يصيح يا معشر قريش صبأ أبو عتبة، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالو: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك أيامًا يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل
(1) سيرة ابن اسحاق 5/ 227؛ دلائل النبوة للبيهقي 2/ 350؛ تاريخ ابن عساكر 66/ 338.