فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 114

ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدها على الصفا فجعل ينادي: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا! فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) } [1] [2] .

كانت قريش تحسب أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أحد الديانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها، ويدعون إلى نبذ الأصنام، والتفكير في المعاد، كما صنع أمية بن أبي الصلت، وقُس بن ساعدة، وعمرو بن نفيل وأشباههم، سرعان ما تنتهي دعوته وتندثر، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته.

ولم تزل صيحة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا مدوية في أرجاء مكة، والناس بين ضعيف داخل في الإسلام مستخف بدينه، وبين وجيه صاد عن سبيل الله، حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [3] حينها قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادعًا بالحق والإيمان، داعيًا إلى هجر الأوثان، متبعًا قريشًا في أنديتها لإقامة الحجة عليهم، وبيان بطلان عقائدهم، ونزلت الآيات التي تطعن في آلهتهم، وتعيرهم بأنهم يعبدون آلهة لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، وسفهت عقولهم التي لا تبصر الحق من الضلال، والظلمات من النور.

انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالغرابة والاستنكار، حين سمعت صوتًا

(1) المسد: 1 - 2.

(2) صحيح البخاري 4/ 1787، حديث (4492) .

(3) الحجر: 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت