ومن المستهزئين العاص بن وائل السهمي فقد جاءه خباب بن الأرت ليتقاضاه أجر سيوف كان قد عملها له، فنظر إليه مليًا، ثم قال يسأله ساخرًا: أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة! قال خباب: بلى، قال العاص بن وائل مستهزئًا به وبدينه: فأمهلني إلى يوم القيامة يا خباب، حتى أرجع إلى تلك الدار الآخرة فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت وصاحبك محمد يا خباب آثر عند الله مني، ولا أعظم حظًا من ذلك، فأنزل الله في شأنه: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا إلى قوله: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [1] [2] .
وقد دأبت قريش على السخرية والاستهزاء بالمؤمنين، فقد كانت تقول إذا مرت بهم: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [3] ، ووصف الله سبحانه ضحكم وغمزهم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [4] .
واستمر استهزاء كفار قريش بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته وبالمؤمنين، مما آلمه ذلك، واشتد غيظه عليهم، فأنزل الله عليه تسلية له وتخفيفًا عنه [5] قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [6] كما تكفل سبحانه بالذب عنه والانتقام من المستهزئين بقوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [7] فقد رُوي في سبب نزول الآية أن الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل
(1) مريم: 77 - 82.
(2) سيرة ابن هشام 1/ 357؛ السيرة الحلبية 1/ 511؛ الروض الأنف 2/ 140.
(3) الأنعام: 53.
(4) المطففين: 29 - 31.
(5) سيرة ابن هشام 2/ 241؛ تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1267.
(6) الأنعام: 10.
(7) الحجر: 95.