لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ... السورة [1] .
وكان الأسود بن المطلب وأصحابه يتغامزون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض، ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر! ثم يصفرون ويصفقون [2] .
ومن سخريتهم واستهزائهم ما رُوي أن رجلًا من إراشة [3] قدم مكة فباع إبلًا على أبي جهل فمطله بأثمانها، فأتى الإراشي قريشًا في ناديها وقال: يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام؟ فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي، فقالوا له: أترى ذلك الرجل الجالس ــ يعنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ اذهب إليه فهو يعينك عليه، وذلك استهزاء به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة، فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأوه قام معه، قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه، فانظر ماذا يصنع؟ فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إلي، فخرج إليه وقد انتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له، فدفعه إليه، ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرًا، فقد والله أخذ لي بحقي، وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا له: ويحك ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبًا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه، وما معه روحه، فقال له: أعط هذا حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه بحقه فأعطاه إليه، ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: ويلك ما لك، فوالله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي، وسمعت صوته، فملئت رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلًا من الإبل، ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني. [4]
(1) قاله ابن اسحاق، وقيل: نزلت في غيره. انظر الأقوال في زاد المسير لابن الجوزي 9/ 226.
(2) سبل الهدى والرشاد 2/ 461.
(3) إراشة: بطن من خثعم.
(4) سيرة ابن اسحاق 4/ 176؛ سيرة ابن هشام 1/ 389؛ السيرة الحلبية 1/ 507؛ دلائل النبوة للبيهقي 2/ 193.