لم تذعن قريش لما رأت من معجزة باهرة، وآية قاهرة، أثبت صدق نبوته، بل أخذت تعاند وتكابر، واستمرت في طلب المعجزات الخارقة كفرًا وعنادًا، فقد سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسير لهم الجبال التي ضيقت عليهم مكة، ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويفجر لهم الأنهار فيها، ويبعث لهم من مضى من آباءهم أمثال قصي بن كلاب ليسألوه إن كان ما جاء به حقًا أم باطلًا، فإن فعل ذلك صدقوه، وعرفوا أنه رسول الله إليهم، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم [1] .
ازدادت قريش في غليها وكفرها وتحديها حتى طلبت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسقط عليهم السماء كسفًا إن كان صادقًا فيما يقول ويتوعد، فقال - صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله، إن شاء فعل، فقالوا: أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، بل قال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا، وفي ذلك يقول تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) } [2] .
كما طلبوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربه أشياء لنفسه يعرفون بها فضله ومنزلته عليهم، كأن يبعث الله لهم ملكًا يصدقه بما يقول، وأن يجعل له جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، ما أنا الذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم [3] ، وفي ذلك يقول تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ
(1) سيرة ابن اسحاق 4/ 179؛ السيرة الحلبية 1/ 459؛ عيون الأثر 1/ 141.
(2) الإسراء: 90 - 93.
(3) سيرة ابن اسحاق 4/ 180؛ سيرة ابن هشام 1/ 296؛ سبل الهدى والرشاد 2/ 340.