والحرب الإعلامية، والحَجر الفكري الذي كان الكفار يمارسونه على الدعوة الإسلامية من بداية عهدها، وكان صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوى من أصواتهم، وكانت وسائله في التبليغ أبلغ من وسائل تعويقهم للدعوة، وكان ثباته على مبدئه أشد من قدرتهم على إيذائه، ولما ذاع أمر حماية أبي طالب لابن أخيه، وتصميمه على مناصرته وعدم خذلانه، وأحست قريش أنها تخسر المعركة مع الدين الجديد، وأن الداخلين إليه يثبتون عليه، اجتمع ساداتها مرة أخرى، وقرروا بعد التشاور والتفكر أن لا يألوا جهدًا في محاربة الإسلام، وإيذاء رسوله، وتعذيب أتباعه، والتعرض لهم بألوان من النكال والاضطهاد، واتفقوا على أن تقوم كل قبيلة بتعذيب من دان منها بالإسلام، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، ولم يسلم منهم شرف ولا وضيع [1] .
لكن قريشًا لم تجرؤ على إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورة كبيرة، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - رجلًا شهمًا وقورًا ذا شخصية فذة، تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء، ومع ذلك كان في حماية عمه أبي طالب، إلا أن ذلك الأمر لم يمنع الأذى عنه - صلى الله عليه وسلم - بصورة كاملة، بل تجرأ بعض صناديد قريش عليه - صلى الله عليه وسلم -، وكان على رأسهم أبو لهب الذي لم يألو جهدًا في تكذيبه وإيذائه، فقد روي أنه كان يضربه بالحجر حتى تدمى عقباه، فعن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمر وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوا هذا فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني عبدالمطلب، وهذا الذي يتبعه عبد العزى، يعني أبا لهب [2] .
وكانت امرأة أبي لهب شديدة الإيذاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريقه - صلى الله عليه وسلم - وعلى بابه ليلًا، لذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب.
(1) سيرة ابن اسحاق 4/ 170؛ السيرة النبوية لابن كثير 1/ 492؛ الرحيق المختوم 85.
(2) صحيح ابن حبان 14/ 518، المستدرك للحاكم 2/ 668، وصحح إسناده المقدسي في الأحاديث المختارة 8/ 128.