عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) ثم استقبلها يقرؤها، وتأملوه فجعلوا يقولون ما قال ابن أم عبد، ثم قالوا: إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها، قالوا: لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون [1] .
وممن أوذي مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ، كان أنعم غلام بمكة، وأجوده حلة، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة، كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، أسلم حين دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرًا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي، فأخبر أمه وقومه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسًا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى.
ومنهم: خالد بن سعيد بن العاص ـ رضي الله عنه ـ، أسلم قديمًا، وأخفى إسلامه خوفًا من أبيه، لكن أباه علم لما رأى كثرة تغيبه عنه، فبعث إخوته الذين لم يكونوا قد أسلموا بعد في طلبه، فجيء به، فقال له: اتبعت محمدًا وأنت ترى خلافه لقومه، وما جاء به من عيب آلهتهم، وعيب من مضى من آبائهم، فقال خالد: قد صدق والله واتبعته، فأنبه وضربه بمقرعة أو عصا كانت في يده حتى كسرها على رأسه، وحبسه بمكة، ومنع إخوته من الكلام معه، وحذرهم من عمله، ثم ضيق عليه الخناق فأجاعه، وقطع عنه الماء ثلاثة أيام، وهو صابر محتسب، ثم قال له أبوه: والله لأمنعنك القوت، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به [2] .
ولما أسلم عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ عدا عليه قومه بنو جمح فآذوه، وكان أشدهم عليه وأكثرهم إيذاء له أمية بن خلف، فخرج مهاجرًا إلى الحبشة، وبقي فيها فترة، ثم لم يلبث أن عاد منها، لكنه لم يستطع أن يدخل مكة إلا بجوار من الوليد بن
(1) سيرة ابن اسحاق 2/ 166؛ سيرة ابن هشام 1/ 314؛ سبل الهدى والرشاد 2/ 351.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 4/ 95؛ السيرة النبوية لابن كثير 1/ 445؛ السيرة الحلبية 1/ 454.