فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 114

لقد عُذب عامة المستضعفين في سبيل الله تعالى فصبروا واحتسبوا، واشترى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعضًا منهم فأعتقهم، وهم: بلال، وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة، وأم عبيس، وجارية بني المؤمل، والنهدية وبنتها، وزِنِّيرة [1] ، وكانت قد عذبت حتى عميت، فقال لها أبو جهل: إن اللات والعزى فعلتا بك ما ترين، فقالت وهي لا تبصر: وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يرد بصري، فأصبحت تلك الليلة وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد [2] .

ولما رأى أبو قحافة ابنه أبا بكر يعتق المستضعفين قال له: يا بني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك فعلت ما فعلت فأعتقت رجالًا جُلدًا، يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: يا أبت إنما أريد ما أريد الله عز وجل، فأنزل الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) } [3] [4] .

وامتدد التعذيب إلى من أسلم من خارج مكة، فحينما سمع أبو ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى مكة، وأخذ يسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى التقى به، فعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - الإسلام فأسلم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقال أبو ذر: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فأكب علي، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار، فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع بي مثل ما صنع بالأمس،

(1) جوامع السيرة لابن حزم 55؛ الروض الأنف 2/ 83.

(2) سبل الهدى والرشاد 2/ 361.

(3) الليل: 5 - 6.

(4) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 572، حديث (3942) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت