على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذى عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله [1] .
وهكذا بقي أبو بكر بمكة إلى جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أذى المشركين بعد أن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أذن له بالهجرة إلى الحبشة.
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا وقرارًا، وأمنًا واستقرارًا، غاظها ذلك، فاختارت رجلين جلدين لبيبين، وهما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة [2] ــ وذلك قبل أن يسلما ــ وحملت معهما الكثير من الهدايا إلى النجاشي وبطارقته، وانطلقا إلى الحبشة سعيًا لطرد المسلمين من أرضها، وردهم إلى مكة، ولما بلغا الحبشة دخلا على النجاشي، وقدما له الهدايا، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك، إنه لجأ إلى بلادكم غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، وقالت البطارقة: صدقًا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم، ولكن النجاشي أبى أن يردهم حتى يسمع قولهم، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما
(1) صحيح البخاري 2/ 804، حديث (2175) .
(2) وروي بدلًا من عبد الله بن أبي ربيعة: عمارة بن الوليد كما في مسند الإمام أحمد (1/ 461) بإسناد حسن من حديث ابن مسعود، وهو مخالف لأكثر الروايات، وقد جمع عرجون في كتابه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2/ 24) بين الروايات بأن عمارة بن الوليد كان رديفًا وتابعًا.