فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 137

معنى, أو يخطئ من أراد التعبير, فيذكر لفظا بخلاف ما قصد, أو بمعنى آخر غير الذي أراد سهوا أو نسيانا أو غير ذلك, فإذا جمع بين اللفظ والقصد فلا خلاف على ذلك أيضا, لكن إذا تعارض اللفظ مع القصد و تعذر الجمع بينهما, فظهرت الحاجة للترجيح بينهما, جاءت هذه القاعدة لتقلل من أثر الخلاف الحاصل في ذلك.

ويؤكد هذا المعنى قول السرخسي: الألفاظ قوالب المعاني، فلا يُلغى اللفظ وإن وجب اعتبار المعنى، إلا إذا تعذر الجمع [1] , إذا لم يظهر مخالفة بين القصد واللفظ؛ تعلق الحكم بهما, وإذا تبين بالقرائن أن اللفظ مخالف للقصد بتعذر الجمع بينهما؛ فالعبرة حينها للقصد [2] .

فالمقصود بقاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) ؛ هو الاعتداد بالمقاصد التي عينتها القرائن التي توجد في عقد فتكسبه حكم عقد آخر, غير العقود التي وضعت لها هذه الألفاظ أصلًا, إذا قصد العاقدان هذا المعنى [3] , فالقصد أجدر بالاعتبار من لفظ لا يفيد قصد العاقد, بل وإنه لم يوضع هنا إلا للتعبير عن هذا القصد, فالصيغ تخبر عن ما في النفس من معاني, ولتصح الصيغ يجب مطابقتها لما أخبرت عنه, وإلا كانت خبرا كاذبا, ثم يُحكم بالجمع بين اللفظ والمعنى, فاللفظ لا يصير مؤثرا على العقود والتصرفات إلا إذا اقترن بمعناه وإن بقرينة, فالعبرة للمعنى الذي دليله اللفظ, فإذا لم يُفهم من اللفظ معناه, صرنا إلى غيره لتعذره [4] .

فالمعاني هي ما تدل عليه الألفاظ بوضعها أو باستعمالها فيفهم من هذه المادة أنه عند حصول العقد لا ينظر للألفاظ التي يستعملها العاقدان حين العقد فقط، وإنما ينظر كذلك إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام الذي يلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقي هو المعنى، وليس اللفظ و الصيغة.

المستعملة وما الألفاظ إلا قوالب للمعاني [5] , وقصد العاقدين تكشفه وتحدده ظروف وعناصر العقد وشروطه, ولا يمكن تجاهل هذا القصد والأخذ بحرفية العقد مهما كانت النتائج [6] .

(1) شمس الدين السرخسي, المبسوط, دار المعرفة, بيروت, بدون تاريخ, ج 12, ص 79.

(2) أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي-الشهير بابن القيم الجوزية-, إعلام الموقعين عن رب العالمين, دار الجيل, بيروت, ط 1, 1973,ج 3, ص 92, عطية رمضان, موسوعة القواعد الفقهية, ص 95, علي حيدر, درر الحكام, ص 21.

(3) وهبة الزحيلي, أدلة الفقه الإسلامي, ج 1, ص 135.

(4) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين, ج 3, ص 119 - 120.

(5) علي حيدر, درر الحكام، ج 1, ص 21.

(6) سوار, الإتجاهات العامة, ص 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت