أولا: نظرية الإرادة الباطنة.
الإرادة في اللغة: المطلب والمراد [1] .
الإرادة في الاصطلاح: هي نفس المشيئة [2] , وقيل هي الميل مع الشعور [3] .
والمراد بالإرادة الباطنة: ما تتفق عليه النية ويعزم به القلب, وهذه النظرية ترى أن الإرادة هي لب التصرف وجوهره, وما اللفظ إلا ثوب يتدثر به جوهر العمل, والتعبير هو دليل هذه الإرادة ويقبل إثبات العكس, فإذا قام الدليل على أن التعبير لا يطابق الإرادة كانت العبرة بالإرادة [4] .
فالإرادة الباطنة هي المعوِّل الأساسي في الآثار القانونية في أي عقد أو تصرف قانوني, وتوضح هذه النظرية مكانة الإرادة الظاهرة منها, حيث أنها تعتد بها ما دامت موافقة ومطابقة للإرادة الباطنة, فإن خالفتها لا يعتد بها وتترك [5] , فالعبرة ليست بالرداء بل (بشخص) من يرتديه فكذلك وجب التعويل على (الإرادة الحقيقية) [6] , وذلك لكون إرادة المتعاقدَين هي الخالقة للإلتزام والمحددة لمداه, وجب البحث عنها, فما مظهر التعبير عنها-اللفظ- إلا دليلا عليها, فمتى خالفها مظهرها؛ لم يراعى, وأُخذ بالجوهر المقترن بدليله [7] .
وأكد هذا عبد الحكم فوده فقال: أن القاضي لا يعدل عن المعنى الحرفي إلا بعد أن تثبت أمارات تكشف عن إنقطاع الصلة بين الألفاظ والأفكار التي تعبر عنها فلا بد من سند حقيقي يدل على الإرادة الباطنة, وذلك عند أحدى الحالات الملجئة للتفسير منها الغموض, أو تنافر المعنى الحرفي للألفاظ الواضحة مع نية الطرفين, أو تنافر الشروط الواضحة للإتفاق, وكلها تجمع بعدم التطابق بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة [8] .
وبالإرادة الباطنة - أي بالإرادة الحقيقية للمتعاقدَين مع الدليل- أخذ القانون المدني الأردني في بعض مواده, ففي تكوين العقد حرص على إرادة بعيدة عن الإكراه والغلط, واعتد بالباعث الذي كان موجِّها لإرادة العاقد على التعاقد, وفي تفسير العقد في حالة غموض عبارة العقد المادة (239/ 2) حيث
(1) ابن منظور, لسان العرب, ج 3, ص 191.
(2) علي العدوي, حاشية العدوي, ج 1, ص 295.
(3) علي السبكي, الإبهاج في شرح المنهاج, ج 1, ص 283.
(4) عبد المنعم فرج الصده, مصادر الإلتزام, دارالنهضة, القاهرة, ط 1: 1992, ص 94, وحيد الدين سوار, التعبير عن الإرادة, ص 281.
(5) يعقوب الباحسين, قاعدة الأمور بمقاصدها, ص 129.
(6) حسن الذنون, ومحمد الرحو, الوجيز في النظرية العامة للإلتزام, ص 49.
(7) عبد الرزاق أحمد السنهوري, شرح القانون المدني, النظرية العامة للإلتزامات, دار الكتب المصرية, القاهرة, ط 1, 1934, ج 1:ص 168, عبد المنعم فرج الصده, نظرية العقد, دار النهضة, بيروت, ط 1, 1974, ص 101.
(8) عبد الحكم فودة, تفسير العقد في القانون المدني المصري والمقارن, ص 63 - 65.