سبق وأنْ ذكرنا أنَّ مصطلح الإرادة الظاهرة والباطنة لم ُيذكر في كتب الفقه, ولكن من مناقشة المسائل ذات الخلاف بين التعبير أو النص والإرادة, ثم ورود قاعدتي (العبرة في العقود .. ) و (الأمور بمقاصدها) اللتين كانتا مثار جدل عند تفسير التصرف في الفقه الإسلامي [1] , كان من اللازم بيان آراء الفقهاء فيها, والذين كانوا على ثلاث اتجاهات, ولأن الذين أشاروا لموقف الفقه من ذلك, اعتمدوا على الخلاف الحاصل في قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) السابق ذكرة, ولعدم التكرار أذكر فقط الإتجاهات دون الأدلة, وذلك لتوضيح من قال من المعاصرين بهذه الإتجاهات:
الاتجاه الأول: أنصار الإرادة الباطنة
أخذ مذهب الحنابلة [2] بالإرادة الباطنة وكذلك مذهب المالكية [3] , والحنفية [4] , حيث أن مفهوم القصد في فروع المذاهب مساوٍ لمفهوم الإرادة الباطنة في القانون [5] , ومن المعاصرين الذين اعتقدوا أن الفقه أخذ بالإرادة الباطنة (صبحي المحمصاني) [6] , مستدلين ببعض قواعد المجلة التي أكدت ذلك كالقاعدة الثانية: (الأمور بمقاصدها) والقاعدة الثالثة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفظ والمباني) , حيث أنها بمثابة تقنين للفقه حسبما ارتآه المذهب الحنفي [7] .وإنْ اختلف الفقهاء في ترجيح المعنى أو اللفظ عند التعارض, إلا أنهم على الأغلب رجحوا المعنى إلا إذا تعلق بالظاهر حق الغير, أو استحال الوصول للحقيقة, فحينئذ يضطر العمل بالظاهر وذلك على سبيل الاستثناء [8] .
الاتجاه الثاني: أنصار الإرادة الظاهرة
(1) علاء الدين محمد علي مقابلة, تفسير العقد في القانون المدني بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة, دراسة مقارنة بالفقه, إشراف نائل مساعدة وأحمد القرالة, رسالة ماجستير, جامعة آل البيت, لعام 2004, ص 77.
(2) ابن القيم الجوزية, اعلام الموقعين, ج 3: ص 95.
(3) الشاطبي المالكي, الموافقات في أصول الفقه, ج 2: ص 323.
(4) ابن نجيم الحنفي, البحر الرائق, , ج 3: ص 94.
(5) عبد الحكم فودة, تفسير العقد, ص 164.
(6) صبحي المحمصاني, النظرية العامة للموجبات والعقود, ص 284.
(7) ياسين محمد الجبوري, المبسوط في شرح القانون المدني, ج 1, مجلد 1, القسم الأول, ص 187.
(8) صبحي المحمصاني, النظرية العامة للموجبات والعقود, ص 283.