قال الفتوحي: «فلو دخل تالف في ملك متلفه، بأن أخذ من آخر شيئًا معلومًا بكيل أو وزن، أو أخذ حوائج متقومة؛ كفواكه وبقول ونحوها، من بقال ونحوه كجزار وزيات، في أيام، ثم يحاسبه على ما أخذ بعد ذلك- فإنه لا يجب عليه المثل في المثلي، ولا القيمة في المتقوم، بل يعطيه بسعر يوم أخذه؛ لتراضيها على ذلك، ومقتضاه صحة البيع بثمن المثل» [1] .
وقال أبو داود في"مسائله": «سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشيء ثم يحاسبه بعد ذلك؟ قال: أرجو ألا يكون بذلك بأس» [2] ، وقال شيخ الإسلام تعليقًا على ذلك: «وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه» [3] ، وقال أيضًا: «على هذا عمل المسلمين دائمًا؛ لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم، ومن الفامي الطعام، ومن الفاكهي الفاكهة؛ ولا يقدرون الثمن، بل يتراضيا بالسعر المعروف ... » [4] .
الموازنة والترجيح:
بعدما تقدم من آراء المذاهب في بيع الاستجرار إذا كان بثمن مؤخر مجهول، يظهر جليًّا أن بيع الاستجرار بصورته هذه يرد عليه كونه من المعاطاة، ويرد عليه أيضًا جهالة الثمن فيه؛ ومن منعه من الفقهاء لم يذكر غير هذين التعليلين، وبناء على ما ترجح لدي من جواز المعاطاة على ما عليه مذهب الجمهور، فإن الإشكال بذلك ينحصر في جهالة الثمن فقط.
(1) "شرح منتهى الإرادات"2/ 419.
(2) ص 194.
(3) "النكت على المحرر"1/ 435.
(4) "نظرية العقد"165، وانظر:"إعلام الموقعين"775.