عينه، فقد يشتري به أو يهبه ونحو ذلك؛ ولذلك فلا يمكن أن نقول: إن ذلك المبلغ يكيف على أنه أمانة في يد البائع؛ لأنه لو كان كذلك فإنه ينبغي أن يكون مودعًا عند البائع كما هو، فلا يجوز أن يصرفه في حاجة نفسه؛ لأن الأمانة لا يجوز التصرف فيها، وهذا على كونه مشكلًا، بل متعذرًا عمليًّا، فهو خلاف المتعارف في بيع الاستجرار، فإن الباعة لا يحتفظون بعين المبلغ المدفوع إليهم مقدمًا، وإنما يسجلون قدره في حساب دافعه، ثم يتصرفون فيه.
ولا يمكن اعتباره قرضًا أيضًا؛ لأنه حين تقديمه للبائع لم يكن على وجه الصلة، وإنما كان ليقع به البيع بينهما فيما بعد، فصار البيع مشروطًا إذن في عقد القرض، وهذا شرط مخالف لمقتضى القرض فينبغي أن يكون فاسدًا.
ويمكن تكييف ذلك المبلغ على أنه دفعة تحت الحساب، وهي وإن كانت بهذا الوجه قرضًا عند الفقهاء، من حيث إنه يجوز للمدفوع له أن يصرفها في حوائج نفسه، ومن حيث كونها مضمونة عليه، إلا إنها فيما يظهر قرضٌ يجوز فيه شرط البيع اللاحق؛ لكونه شرطًا متعارفًا عليه، فإن الدفعات تحت الحساب لا يقصد بها الإقراض، وإنما يقصد بها تفريغ ذمة المشتري عن أداء الثمن عند البيع اللاحق، وأن يتيسر له أداء الحاجات دون نقد الثمن كل مرة [1] .
ثانيًا- الصورة الأولى من الحالة الثانية:
وهي أن يضع المبلغ ويتلفظ بالبيع، ويعين السلعة، فيقول:"اشتريت منك بهذا المبلغ هذه الأكياس من الأرز، كل يوم آخذ منها كيسًا".
وبتأمل هذه الصورة نجد أن البيع فيها تم عندما وضع المبلغ وتلفظ بالبيع، والثمن هنا معلوم، كما أن ما يقابله من المثمن معلوم كذلك.
(1) انظر:"البيع بالتعاطي والاستجرار"69.