ثُمَّ قَالَ وَقَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ رضي الله تعالى عنه عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي السَّفِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضُهُمْ وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ فَيُقِيمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي السَّفِينَةِ فَيُصَلُّونَ ثُمَّ يَجِيءُ الَّذِينَ كَانُوا نَزَلُوا فَيَجْمَعُونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا فَرُوجِعَ فِيهَا , فَقَالَ إنَّهُ مِثْلُ الْجَمْعِ فِيهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ بِرَأْسِهِ: لَا , قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَفَرَّقَ طَائِفَتَيْنِ فَتُصَلِّيَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ لِلْغُزَاةِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشَرَعَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّفِينَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا عَلَى طَائِفَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ كُرِهَ لِلَّذِينَ نَزَلُوا إذَا جَاءُوا أَنْ يَجْمَعُوا الصَّلَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الَّذِينَ بَقُوا قَدْ جَمَعُوا تِلْكَ الصَّلَاةَ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الَّذِينَ بَقُوا إنَّمَا جَمَعَ بِهِمْ إمَامٌ رَاتِبٌ ا هـ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ وَأَمَّا الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ وَيَتْبَعُ كُلَّ إمَامٍ طَائِفَةً وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فَيُشْكَلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ هَلْ يَتْبَعُونَ إمَامَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ , وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مِمَّنْ صَارَ فِي شَكٍّ هَلْ اتَّبَعَ إمَامَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَاسِدَةٌ , وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ تَبِعَ إمَامَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي شُغْلٍ مِنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ قَدْ شَغَلَهُ التَّكَلُّفُ فِيهِ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ إمَامٍ أَنْ يَتَبَاعَدَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ الْمُؤَدِّي لِفَسَادِ صَلَاةِ النَّاسِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِيمَا يُشَكِّكُ ا هـ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ الْمَنْعُ مِنْ جَمْعِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى التَّعَاقُبِ , وَهُوَ الَّذِي شَاهَدْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ ابْنَ عَرَفَةَ يُفْتِي بِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ ا هـ قَالَ الْحَطَّابُ لَا يُقَالُ إنَّ جَمْعَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَتَقْرِيرِهِ فَيَجُوزُ , لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يُفِيدُ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ فِي الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ لَا يُبِيحُهُ ا هـ . وَسَلَّمَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ وَالشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَتَلَامِذَتُهُمَا كَالْعَلَّامَةِ الْخَرَشِيِّ وَالْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالْعَلَّامَةِ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَالْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الرَّمَاصِيُّ وَالْمُحَقِّقُ الْبُنَانِيُّ قَالَا وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الْخَرَشِيُّ والشبرخيتي وَلِلشَّارِعِ غَرَضٌ فِي تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ لِيُصَلِّيَ الشَّخْصُ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ وَحَضَّ عَلَيْهَا فَإِذَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهَا لَا تُجْمَعُ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّتَيْنِ تَأَهَّبُوا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ أَلَا تَرَى تَأَهُّبَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَمِنْ كَرْمِهِ - سُبْحَانَهُ - شَرَعَ الْجُمُعَةَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ فِي الْجَمَاعَاتِ مَغْفُورٌ لَهُ وَالْجُمُعَةُ يَجْتَمِعُ لَهَا أَهْلُ الْبَلَدِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ثُمَّ شَرَعَ الْعِيدَ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمُتَقَارِبَةِ ثُمَّ شَرَعَ الْمَوْقِفَ الْأَعْظَمَ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ وَفِيهِ اعْتِنَاءٌ بِالْعَبْدِ ا هـ , وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .