( مَا قَوْلُكُمْ ) فِي رَجُلٍ أَحْيَا مَوَاتًا بِعَمَلِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبَنَى عَلَيْهِ بَلَدًا وَمَسْجِدًا بِمَنَارٍ وَسَكَنَهُ إلَى مَوْتِهِ ثُمَّ سَكَنَهُ أَوْلَادُهُ إلَى مَوْتِهِمْ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ لِشِدَّةِ الْفِتَنِ بِتِلْكَ الْجِهَةِ وَلَمَّا زَالَتْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ لَهُ وَالِاخْتِصَاصَ بِهِ وَبِحَرِيمِهِ وَأَرَادَ جَمَاعَةٌ مُشَارَكَتَهُمْ فِيهِ لِكَوْنِهِمْ حَرَثُوا فِيهِ مَعَ الْأَوْلَادِ زَمَنَ الْفِتَنِ فَهَلْ لِهَذَا الْبَلَدِ حَرِيمٌ يَخْتَصُّ أَوْلَادُ الْمُحْيِي بِهِ وَمَا قَدْرُهُ وَهَلْ انْتِقَالُ الْخَلَفِ الْمَذْكُورِ بِوَصْفِهِ لَا يُبْطِلُ حَقَّهُمْ فِي ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ الْبِنَاءَ قَائِمٌ إلَى الْآنَ وَهَلْ يَعْمَلُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَحَرِيمَهُ لِجِدِّ الْأَوْلَادِ وَالْحَالُ أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا مُشَارَكَتَهُمْ مُتَغَلِّبُونَ وَمُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْمَاءَ لِلْخَلَفِ الْمَذْكُورِ وَانْتِقَالُهُمْ لَيْسَ دَائِمًا بَلْ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْفِتَنِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ .
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لِهَذَا الْبَلَدِ حَرِيمٌ مِنْ الْمَوَاتِ الْمُحِيطِ يَخُصُّ أَوْلَادَ الْمُحْيِي وَهُوَ مَا يَحْتَاجُونَ لَهُ فِي مُحْتَطَبِهِمْ وَرَعْيِ دَوَابِّهِمْ , وَقَدْرُهُ كُلُّ مَا يَصِلُونَ إلَيْهِ وَيَقْضُونَ حَاجَتَهُمْ مِنْهُ وَيَرْجِعُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِبَلَدِهِمْ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ حَرِيمًا لِلْبَلَدِ فَلَا يَخْتَصُّونَ بِهِ وَانْتِقَالُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُمْ فِي الْبَلَدِ وَلَا فِي حَرِيمِهِ كَمَا فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ لِعُذْرِهِمْ وَعَدَمِ إعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَعَدَمِ تَرْكِهِ لِغَيْرِهِمْ إنَّمَا انْتَقَلُوا عَنْهُ لِضَرُورَةِ الْخَوْفِ وَيُعْمَلُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي نَظْمِ ابْنِ رُشْدٍ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي يُعْمَلُ فِيهَا بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ . وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ وَسُئِلَ عَنْ قَصْرٍ غَابَ عَنْهُ أَهْلُهُ أَمَدًا طَوِيلًا ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُ وَرَثَةِ أَهْلِهِ فَسَكَنُوهُ , وَلَمْ يَعْرِفُوا أَمْلَاكَهُمْ وَأَسْكَنُوا مَعَهُمْ أَجَانِبَ ثُمَّ جَاءَ وَرَثَةُ الْبَاقِينَ فَمَنَعَهُمْ الْأَوَّلُونَ وَأَرَادُوا أَيْضًا إخْرَاجَ الْأَجَانِبِ فَمَا حُكْمُهُمْ مَعَهُمْ وَمَعَ الْوَرَثَةِ الْبَاقِينَ ؟ فَأَجَابَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا قَدِيمًا وَالرَّدُّ عَلَى بَعْضِ مَشْهُورِ الْمُفْتِينَ فِيهَا وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَهُ وَلَا شَيْءَ لِلْأَجَانِبِ فِيهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِمُلَّاكِهِ وَوَرَثَتِهِمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى التَّجَاهُلِ فِي ذَلِكَ فَلْيَتَحَلَّلُوا أَوْ يَقْتَسِمُوهُ بِالسَّوَاءِ إذَا لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَلَوْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ وَنَازَعَهُ صَاحِبُ الْأَقَلِّ لِتُخَرَّجَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي دَعْوَى النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ , وَإِنْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ تَعْيِينَ مَوْضِعٍ وَشَكَّ الْآخَرُ جَرَى عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُتَيَقِّنِ وَالشَّاكِّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُتَيَقِّنِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِحْلَافِهِ ثُمَّ قَالَ وَكَثِيرًا مَا يَنْزِلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ يَرْتَحِلُ قَوْمٌ عَنْ قَرْيَةٍ فَيَخْلُفُهُمْ آخَرُونَ وَيَأْخُذُونَ دِيَارَهُمْ وَعِمَارَتَهُمْ وَرُبَّمَا جَرَى ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ وَالْقَلِيلِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْأَوَّلُونَ وَيَطْلُبُونَ رَبْعَهُمْ فَإِنْ ثَبَتَتْ أَمْلَاكُهُمْ بِبَيِّنَةٍ فَهِيَ لَهُمْ وَلَهُمْ إخْرَاجُ مَنْ خَلَفَهُمْ , وَإِلَّا كَانُوا غُصَّابًا , وَإِنْ لَمْ يُثْبِتُوا شَيْئًا أَوْ ثَبَتَ أَنَّ الرِّقَابَ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ لِمَنْ مَلَكَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَابِ أَوْ الْوُلَاةِ أَوْ الْجُنْدِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا النَّقْضُ خَاصَّةً إنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَوْ كَانَ فِي شَرْطِهِمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فَلَيْسَ لَهُ فِي النَّقْضِ وَلَا فِي الْعِمَارَةِ شَيْءٌ لَكَانَ كِرَاءً فَاسِدًا يُسْلَكُ فِيهِ مَسْلَكَ ذَلِكَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِيهِ مُدَّةً أَوْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْبِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا خَرَجَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ , وَلَمْ يُسَلِّمُوهُ لِغَيْرِهِمْ وَلَوْ أَسْلَمُوهُ لِمَنْ يَأْتِي لَكَانَ لَهُ وَنَحْوُهُ مَا جَرَى فِي الْقَيْرَوَانِ حِينَ جَلَى عَنْهَا أَهْلُهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ وَنَزَلَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِ الْخَارِجِينَ وَلَوْ لَمْ يَدْرِ هَلْ خَرَجُوا عَلَى وَجْهِ الْإِسْلَامِ أَوْ الرُّجُوعِ لِتُخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ أَسْلَمَ مَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ , وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَسْلَمَهُ فَانْظُرْهَا فِي شَرْحِ ابْنِ رُشْدٍ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .