فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ , وَالصَّلَاةُ , وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ غَرَضِي بِالْجَوَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ تَحْرِيرَ كَوْنِ تَحْرِيمِ ذِي الظُّفُرِ , وَمَا مَعَهُ وَقَعَ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ سِوَاهَا إذَا لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ إنَّمَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُمَا إبْطَالَ مَا اعْتَقَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم , وَأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَقَدْ تَبِعْت فِي قَوْلَيْ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي إخْبَارٌ عَنْ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ - عِبَارَةَ الْإِمَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ حَسْبَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبُنَانِيُّ , وَغَيْرُهُ , وَهِيَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ فَتُوَافِقُ عِبَارَتِي فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ , وَشَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ تَصْدُقُ بِمَا عُلِمَ مِنْ التَّوْرَاةِ بِمَا عُلِمَ مِمَّا نَزَلَ عَلَى مُوسَى بَعْدَهَا إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى عليه الصلاة والسلام , وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيمَ لُحُومِ الْإِبِلِ , وَأَلْبَانِهَا عَلَى الْيَهُودِ فِي التَّوْرَاةِ , وَلَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِمْ , وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ حُرِّمَ عَلَى نُوحٍ قَبْلَهُمْ , وَأَنَّهُ دَامَ إلَى إبْرَاهِيمَ حَتَّى قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ , وَتَسْتَحِلُّ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ مِمَّا نَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ عَلَيْنَا الْيَوْمَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ , وَكَذَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ الطَّعَامِ } الْآيَاتِ . وَأَمَّا تَحْرِيمُ ذِي الظُّفُرِ , وَمَا مَعَهُ فَكَانَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ , وَحَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِآيَتَيْ النِّسَاءِ , وَالْأَنْعَامِ تَكْذِيبًا لَهُمْ , وَرَدًّا عَلَيْهِمْ فِي إنْكَارِهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ , وَأَحِبَّاؤُهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا شَيْئًا إنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَرَعًا , وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِوُقُوفِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ , وَنَصُّهُ وقوله تعالى { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } قَالَ الْكَلْبِيُّ كَانَ يَعْقُوبُ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا , وَكَانَ أَصْلُ وَجَعِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ حَرَّانَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ , وَهُوَ خَلْفَ الْأَثْقَالِ فَظَنَّ يَعْقُوبُ أَنَّهُ لِصٌّ فَعَالَجَهُ أَنْ يُصَارِعَهُ فَغَمَزَ الْمَلَكُ فَخِذَ يَعْقُوبَ فَكَانَ يَبِيتُ اللَّيْلَ سَاهِرًا , وَيَنْصِبُ نَهَارَهُ فَأَقْسَمَ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ , وَالشَّرَابِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ , وَأَلْبَانَهَا , وَكَانَا أَحَبَّ الطَّعَامِ , وَالشَّرَابِ إلَيْهِ . ثُمَّ اسْتَنَّ , وَلَدُهُ بِسُنَّتِهِ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لُحُومَ الْإِبِلِ , وَأَلْبَانَهَا لِتَحْرِيمِ إسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْيَهُودَ فَقَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى نُوحٍ حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ } إلَى قَوْلِهِ { فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِي دَعْوَاكُمْ فَكَرِهُوا أَنْ يَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ ; لِأَنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ . فِي التَّوْرَاةِ غَيْرُ الَّذِي حُرِّمَ بِظُلْمِهِمْ , وَكُفْرِهِمْ فَكُلُّ شَيْءٍ هُوَ حَلَالٌ الْيَوْمَ كَانَ حَلَالًا لِآدَمَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَمَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْيَهُودِ فَبِظُلْمِهِمْ كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إذَا أَصَابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ طَعَامًا طَيِّبًا وَصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْسًا , وَهُوَ الْمَوْتُ فَذَلِكَ قوله تعالى { فَبِظُلْمِ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وَقَوْلُهُ { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ } . وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْرَاةِ , وَكَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ حَلَالًا لَهُمْ فَالْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ أَيْضًا كَالْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ , وَكَانُوا يَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَلَى دِينِنَا , وَالْمُحَرَّمَاتِ الْيَوْمَ مُحَرَّمَاتُ زَمَانِهِ , وَلَا يَرَوْنَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ , وَلَسْتُمْ عَلَى دِينِهِ . ثُمَّ قَالَ , وَحُرِّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ مَا ذُكِرَ فِي قوله تعالى { , وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } الْآيَةَ , وَالْيَهُودُ كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا: كُلُّهُ كَانَ حَرَامًا مِنْ زَمَنِ نُوحٍ