فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 865

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فِي الْمِعْيَارِ إنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضِ الْحَرَامِ وَالْبَاطِلِ بِظَنٍّ , أَوْ فِتْنَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شِعَبَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْمُوَطَّأُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ , وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ فِي مَوْضِعٍ يُعْمَلُ فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَلَدٌ إلَّا كَذَلِكَ قُلْنَا يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَقَلَّهَا إنَّمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَلَدٌ فِيهِ كُفْرٌ فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ خَيْرٌ مِنْهُ , أَوْ بَلَدٌ فِيهِ عَدْلٌ وَحَرَامٌ فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ وَحَلَالٌ خَيْرٌ مِنْهُ لِلْمُقَامِ , أَوْ بَلَدٌ فِيهِ مَعَاصٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَلَدٍ فِيهِ مَعَاصٍ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ , وَهَذَا الْأُنْمُوذَجُ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله تعالى عنه فُلَانٌ بِالْمَدِينَةِ وَفُلَانٌ بِمَكَّةَ وَفُلَانٌ بِالْعِرَاقِ وَفُلَانٌ بِالشَّامِ امْتَلَأَتْ الْأَرْضُ جَوْرًا وَظُلْمًا ا هـ . وَلَا يُسْقِطُ هَذِهِ الْهِجْرَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْلَى الطَّاغِيَةُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَعَاقِلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إلَّا تَصَوُّرُ الْعَجْزِ عَنْهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَحَالٍ لَا الْوَطَنُ وَالْمَالُ , فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُلْغًى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } , فَهَذَا الِاسْتِضْعَافُ الْمَعْفُوُّ عَمَّنْ اتَّصَفَ بِهِ غَيْرُ الِاسْتِضْعَافِ الْمُعْتَذَرِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَصَدْرِهَا , وَهُوَ قَوْلُ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْ الِاعْتِذَارَ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ وَجْهٍ مَا وَعَفَا عَنْ ذِي الِاسْتِضْعَافِ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ حِيلَةٌ وَلَا يُهْتَدَى سَبِيلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ } وَعَسَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ فَالْمُسْتَضْعَفُ الْمُعَاقَبُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ هُوَ الْقَادِرُ مِنْ وَجْهٍ وَالْمُسْتَضْعَفُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي عَجُزِهَا هُوَ الْعَاجِزُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . فَإِذَا عَجَزَ الْمُبْتَلَى بِهَذِهِ الْإِقَامَةِ عَنْ الْفِرَارِ بِدِينِهِ , وَلَمْ يَسْتَطِعْ سَبِيلًا إلَيْهِ وَلَا ظَهَرَتْ لَهُ حِيلَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ وَكَانَ بِمَثَابَةِ الْمُقْعَدِ وَالْمَأْسُورِ وَكَانَ مَرِيضًا جِدًّا , أَوْ ضَعِيفًا فَحِينَئِذٍ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ وَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ قَائِمَةٌ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ وَتَمَكَّنَ لَهَاجَرَ وَعَزَمَ مُسْتَصْعِبٌ أَنَّهُ إنْ ظَفِرَ بِحِيلَةٍ وَقْتًا مَا فَيُهَاجِرُ . وَأَمَّا الْمُسْتَطِيعُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَبِأَيِّ حِيلَةٍ تَمَكَّنَتْ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ إنْ أَقَامَ حَسْبَمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ } إلَى قَوْلِهِ { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } . وَقَالَ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } , وَقَالَ تَعَالَى { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ , فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } إلَى قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت