مَسْأَلَةٌ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ: وَسَأَلْته عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَهْلِ بَرْشِلُونَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الِارْتِحَالِ عَنْهُمْ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي أُجِّلَتْ لَهُمْ يَوْمَ فُتِحَتْ فِي ارْتِحَالِهِمْ فَأَغَارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَفَرُّدًا مِمَّا يَخَافُ مِنْ الْقَتْلِ إنْ ظَفِرَ بِهِ . فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِ الَّذِي يَتَلَصَّصُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أُصِيبَ فَأَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ يَحْكُمُ فِيهِ بِمِثْلِ مَا يَحْكُمُ فِي أَهْلِ الْفَسَادِ وَالْحِرَابَةِ , وَأَمَّا مَالُهُ فَلَا أَرَاهُ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ ا هـ . مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّهُمْ فِي إغَارَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِينَ صَحِيحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا حَارَبَ سَوَاءٌ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ , أَوْ فِي بَلَدِ الْكُفْرِ الْحُكْمُ فِيهِ سَوَاءٌ , وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مَالِهِ إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ فَهُوَ خِلَافٌ ظَاهِرٌ . قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَغْزُو الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَيُصِيبُونَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ إذَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ إذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجَيْشُ غَنَمَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ , أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ ا هـ . قُلْت: فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا يُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِ خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ مَعَاصِرُهُ وَبَلَدِيُّهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي مَالِ هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ وَأَوْلَادِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشُّيُوخِ يَظْهَرُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُلْحَقَةَ بِهِمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ جَارِيَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ مَعَ النَّصَارَى الْحَرْبِيِّينَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْخِلَافِ وَتَمَهَّدَ مِنْ التَّرْجِيحِ ثُمَّ إنْ حَارَبُونَا مَعَ أَوْلِيَائِهِمْ تَرَجَّحَتْ حِينَئِذٍ اسْتِبَاحَةُ دِمَائِهِمْ , وَإِنْ أَعَانُوهُمْ بِالْمَالِ عَلَى قِتَالِنَا تَرَجَّحَتْ اسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ , وَقَدْ تَرَجَّحَ سَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ بِالِاسْتِخْلَاصِ مِنْ أَيْدِيهِمْ وانْشِبَابِهِمْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ آمِنِينَ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ مَعْصُومِينَ مِنْ مَعْصِيَةِ تَرْكِ الْهِجْرَةِ . وَمَا ذَكَرْتُمْ فِي السُّؤَالِ مِنْ حُصُولِ النَّدَمِ وَالتَّسَخُّطِ لِبَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِيِّينَ إلَى دَارِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا زَعَمُوا مِنْ ضِيقِ الْمَعَاشِ وَعَدَمِ الِانْتِعَاشِ زَعْمٌ فَاسِدٌ وَتَوَهُّمٌ كَاسِدٌ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ فَلَا يَتَوَهَّمُ هَذَا الْمَعْنَى وَيَعْتَبِرُهُ وَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ إلَّا ضَعِيفُ الْيَقِينِ بَلْ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَكَيْفَ يَتَخَيَّلُ هَذَا الْمَعْنَى وَيُدْلِي بِهِ حُجَّةً فِي إسْقَاطِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَفِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْلَى اللَّهُ كَلِمَتَهُ مَجَالٌ رَحْبٌ لِلْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَالثَّقِيلِ وَالْخَفِيفِ . وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى الْبِلَادَ فَيَسْتَجِيرُ بِهَا مَنْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الصَّدْمَةُ الْكُفْرَانِيَّةُ وَالصَّاعِقَةُ النَّصْرَانِيَّةُ فِي الدِّينِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ , فَقَدْ هَاجَرَ مِنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ وَزُمْرَةٌ كَرِيمَةٌ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رضي الله تعالى عنهم وَحَالُ أَرْضِ الْحَبَشَةِ غَيْرُ مَقَرِّهِمْ وَهَاجَرَ آخَرُونَ إلَى غَيْرِهَا وَهَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَآبَاءَهُمْ وَنَبَذُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ وَحَارَبُوهُمْ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِدِينِهِمْ وَرَفْضًا لِدُنْيَاهُمْ فَكَيْفَ بِعَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِهَا لَا يُخِلُّ تَرْكُهُ بِتَكَسُّبٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُؤَثِّرُ رَفْضُهُ فِي مُتَّسَعِ الْمُسْتَرْزِقِينَ وَلَا سِيَّمَا هَذَا الْقُطْرُ الدِّينِيُّ الْمَغْرِبِيُّ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَزَادَهُ عِزًّا وَشَرَفًا وَوَقَاهُ مِنْ الْأَغْيَارِ وَالْأَكْدَارِ وَسَطًا وَطَرَفًا , فَإِنَّهُ مِنْ أَخْصَبِ أَرْضِ اللَّهِ أَرْضًا وَأَشْبَعِهَا بِلَادًا طُولًا وَعَرْضًا وَخُصُوصًا حَاضِرَةُ فَاسَ , وَأَنْظَارُهَا نَوَاحِيهَا مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ وَأَقْطَارِهَا . وَلَئِنْ سَلِمَ هَذَا الْوَهْمُ وَعَدِمَ صَاحِبُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْعَقْلَ الرَّاجِحَ وَالرَّأْيَ النَّاجِحَ وَالْفَهْمَ , فَقَدْ أَقَامَ عِلْمًا وَبُرْهَانًا عَلَى نَفْسِهِ الْخَسِيسَةِ الرَّدِيَّةِ بِتَرْجِيحِ عَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ حُطَامِي مُحْتَقَرٍ عَلَى عِلْمٍ دِينِيٍّ أُخْرَوِيٍّ مُدَّخَرٍ وَبِئْسَ هَذِهِ الْمُفَاضَلَةُ